تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
والجواب أن الله تعالى لم يجعل كتابه الكريم حاصلا على جهة الإحكام ، ولا على جهة المتشابه مطلقا ، وإنما خلطه بالمحكم مرة ، وبالمتشابه أخرى ، فقال تعالى :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
[ آل عمران : 7 ] وما ذاك إلا من أجل فوائد نذكرها بمعونة الله تعالى . الأولى الدعاء إلى النظر والحث عليه في القرآن العظيم للمحق والمبطل ، جميعا ، فأما المحق فيزداد بالنظر قوة وانشراحا في صدره ، وسعة في أمره ، بإبطال الشبهة ، وتجلى الحق له ، وأما المبطل فلأنه بطول تأمله ربما زال عن باطله ورجع إلى الحق ، فلو كان جميعه محكما لم يحصل هذا الوجه ، لأن المحكم إنما يكون بالتنصيص عليه ، وما كان حاصلا بالنص لا يفتقر إلى تأمل ونظر . الفائدة الثانية أن القرآن إنما كان مشتملا على المحكم ، والمتشابه ، لأن ذلك يدعو الناظر إلى الميز بينهما ، وفصل أحدهما عن الآخر ، فإذا فعل ذلك دعاه إلى التمييز في أدلة العقول بين الحق والباطل ، وهذه فائدة عظيمة لا يخفى موقعها ، فيكون نظره في متشابه القرآن ومحكمه على جهة الإرهاص لأدلة العقل ، ويميز الحق عن الشبهة فيها . الفائدة الثالثة أن القرآن إذا كان مخلوطا بالمحكم والمتشابه ، فإن ما هذا حاله يدعو إلى مراجعة العلماء ويعرف جليلة ذلك من جهتهم ، ومجالسة العلماء ومحادثتهم هو زيادة في الدين وتحفظ عليه ، فيرتد عن العمى ، ويسترشد إلى الهدى ، ولهذا ودد الشرع تأكيدا لذلك حيث قال : جالسوا العلماء تعلموا . الفائدة الرابعة أن القرآن إذا كان غير وارد بالأمرين جميعا ، أعنى المحكم والمتشابه ، كان أقرب إلى الاتكال على الحمل على ظاهره ، بخلاف ما إذا ورد مجموعا من الأمرين ، فإنه يكون أقرب إلى ترك التقليد ، إذ ليس اتباع المحكم أولى وأحق من اتباع المتشابه ، فإذا كان لا ترجيح هناك بالإضافة إلى التقليد ، وجب إهماله والاتكال على النظر المخلص عن ورط الحيرة بالتقليد . الفائدة الخامسة أن الله تعالى إذا كان يعلم أنه إذا خلط محكمه بمتشابهه ، ازداد الثوب والأجر بكثرة النظر وإتعاب الفكرة جاز له تعريضهم لذلك فيصلون بذلك إلى درجات لا تنال إلا بالنظر ، فهذه الفوائد كلها حاصلة فيما ذكرناه من الخطاب بالمتشابه وإذا كانت حاصلة بطل قولهم : إنه لا غرض لله تعالى في الخطاب بالمتشابه .