تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
حسنا ، ويكسبانه رشاقة ، فكيف يكونان معدودين من آفات الكلام ورذائله ، فما هذا حاله فهو جهل بمواقع البلاغة ، ومحاسن الفصاحة ، وهما أيضا معدودان من أنواع البديع ، أعنى المبالغة في البيان والإيضاح ، ويعدون ما كان غريبا وحشيا ، فيه عنجهانية ، ومن الكلام المجانب لمحاسن الفصاحة ، وأما ثانيا فلأن ما هذا حاله فإنه يستحسنه الكتاب وأهل العلم بالحساب وهو أنهم إذا ذكروا عددين ، ثم ضموا أحدهما إلى الآخر ، فلا بد من ذكر تلك الجملة ، التي يؤولان إليها عند اجتماعهما ، ويسمون ذلك الفذلكة ، فإذا قال : عندي له عشرون ، وثلاثون ، وخمسون ، قال : فالجملة مائة كاملة ، فما ذكروه جهل بهذه المقاصد وعدم إحاطة بما اشتملت عليه الأسرار القرآنية من المحاسن التي تفطن لها الأذكياء ، وتقاعد عن فهمها الأغمار الأغبياء ، وأما ثالثا فلأن المعيب بالإيضاح ، إما أن يكون هو ذكر العشرة بعد ذكر السبعة ، والثلاثة ، فهذا خطأ قد ذكرنا وجهه على العلم بالأمور الحسابية ، وإما أن يكون العيب بالإيضاح هو قوله عشرة كاملة ، فإنه لا فائدة في ذكر الكمال ، فهذا خطأ أيضا ، فإنه إنما ذكر الكمال اعتناء بصومها وحتما على عدم التفريق بينها ، ولو أطلق وصف العشرة من غير وصف الكمال ، لتوهم جواز الفصل بينها عند العودة إلى الأهل ، ويجوز أن يكون أتى بها على جهة التأكيد المعنوي ، كقوله تعالى :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 )
[ الحاقة : 13 ] وقوله تعالى :
فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ( 14 )
[ الحاقة : 14 ] فإن ذكر الوحدة إنما كان على جهة التأكيد من جهة المعنى بالصفة ، ولو أوفوا النظر حقه لما عولوا على هذه الأنظار الركيكة ، والمقاصد الفاسدة .

الجهة الخامسة عشرة من الطعن على القرآن بالإضافة إلى المقصود منه ؛

وحاصل ما قالوه أن الغرض بالقرآن إنما هو هداية الخلق وتعريفهم الأحكام الشرعية ، والتفرقة بين الحلال والحرام ، وإعلامهم بما يجوز على الله ، وما يجب ، وما يستحيل ، إلى غير ذلك من المقاصد العظيمة ، والمنافع الجزلة ، وهذا إنما يحصل إذا كان كله محكما يفهم المراد من ظاهره ، لكن قد تقرر اشتماله على الأمور المتشابهة التي قصد بها خلاف ظواهرها فلو كان المقصود به هداية الخلق وإعلامهم بأحكام الأفعال العملية ، لكان يجب أن يكون كله محكما ، فلما ورد فيه المتشابه دل على أنه المقصود منه ليس هداية الخلق لأنه صار سببا للزلل ، ومنشأ لضلال من يضل من الفرق ، وأكثر ضلال أكثر الفرق ، ما كان إلا من جهته ، ولا وجه لذلك إلا الخطاب بالمتشابه .