تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦

الطرف الأول في بيان ما يتعلق بالفصاحة اللفظية

اعلم أنا إنما جعلنا هذا الطرف متعلقه الفصاحة اللفظية ، لما كان أمره وشأنه متعلقا بالألفاظ ومشاكلة الكلم وازدواج الألفاظ ، فلأجل هذا جعلناه متعلقا باللفظ ، وجملة ما نذكر من ذلك ضروب عشرة .

الضرب الأول منها التجنيس

وهو على تنوعه عبارة عن اتفاق اللفظين في وجه من الوجوه مع اختلاف معانيهما ، وهو عظيم الموقع في البلاغة ، جليل القدر في الفصاحة ، ولولا ذلك لما أنزل الله كتابه المجيد على هذا الأسلوب ، واختاره له كغيره من سائر أساليب الفصاحة ، ثم ينقسم إلى كامل ، وإلى ناقص ، فالكامل هو أن تتفق الكلمتان في الوزن ، والحركات والسكنات ، ويقع الاختلاف في المعاني ، ولم يقع في كتاب الله تعالى تجنيس كامل إلا في قوله تعالى :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[ الروم : 55 ] وأما الناقص فأبنيته كثيرة ومضطرباته واسعة ، فمنه التجنيس الناقص ، وهو أن تكون إحدى الكلمتين مشتملة على لفظ الأخرى مع زيادة ، ومثاله قوله تعالى :
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 )
[ القيامة : 29 - 30 ] فزيادة الميم في المساق هو الذي أوجب كونه جناسا ناقصا ، وهذا يقال له « المذيّل » أيضا ، ومنه « المصحّف » وهو أن تتفق الكلمتان خطا لا لفظا ، ومثاله قوله تعالى
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( 104 )
[ الكهف : 104 ] ومنه « المضارع » وهو أن تتفق الكلمتان في حرف واحد ، سواء وقع أولا أو آخرا أو وسطا ، ومثاله قوله تعالى
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ
[ النساء : 83 ] فقد اتفق الأمر والأمن ، في الهمزة والميم ، ومنه « المتوازن » وهو أن تتفق الكلمتان في الوزن ويختلفا فيما عداه ، ومثاله قوله تعالى :
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 )
[ الغاشية : 15 - 16 ] ومنه « المعكوس » ومثاله قوله تعالى :
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 )
[ يس : 40 ] ومعنى العكس في هذا أنه يقرأ من آخره كما يقرأ من أوله ونحو قوله تعالى :
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 )
[ المدثر : 3 ] وقد يجيء العكس على غير هذا في الكلم في مثل قولهم : « عادات السادات سادات العادات » ومنه « الاشتقاقي » وهو أن تتفق الكلمتان
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 196 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي