تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠

القسم الثاني ما يتعلق بالعلوم البيانية

وهو في مصطلح أرباب هذه الصناعة ، عبارة عن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة وبالنقصان عنها ، ومثاله أنك إذا أردت أن تحكى عن زيد بأنه شجاع ، فبالطريق اللغوية أن تقول : زيد شجاع يشبه الأسد في شجاعته ، وإذا أردت الإتيان بهذا المعنى على طريق البلاغة ، فإنك تقول فيه : رأيت الأسد وكأن زيدا الأسد ، فالأول هو الاستعارة ، والثاني على طريق التشبيه ، فعلم البيان إنما يكون متناولا للدلالة الثانية ، لأن فيها تحصيل الزيادة والنقصان في المعنى المقصود ، وفائدته الاحتراز عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه ، فصارت الدلائل ثلاثا ، دلالة المطابقة ، وهي الدلالة اللغوية ، كدلالة لفظ الإنسان والفرس على هاتين الحقيقتين المخصوصتين ، وهي دلالة لغوية تختلف باختلاف الاصطلاحات والأوضاع ، ودلالة الالتزام ، وهي التي تدل على أمر خارج غير المسمى ، ومثاله دلالة لفظ الفرس ، والإنسان ، على ما يكون لازما لهما عقلا ، نحو الكون في الجهة والحصول في الأماكن ، فهذه دلالة التزامية لأنه لا ينفك عما ذكرناه ، ودلالة التضمن ، وهي الدلالة على جزء من أجزائه ، كدلالة الفرس والإنسان على أجزائهما . واعلم أن المقصود الأعظم من هذه القاعدة هو بيان أن القرآن قد نزل في أعلى طبقات الفصاحة ، وأن كل كلام غيره وإن بلغ كل غاية في البلاغة ، فإنه لا يدانيه ، ولا يماثله وأن الثقلين من الجن والإنس لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله ، أو بسورة منه ، أو بآية ، ما قدروا ، كما حكى الله تعالى من تصديق هذه المقالة بقوله تعالى
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 )
[ الإسراء : 88 ] وقد حصل عجز الخلق عن الإتيان بمثله قطعا كما سنقرره بعد هذا بمشيئة الله تعالى ، سواء أكان العجز بالإضافة إلى ما تضمنه من علوم المعاني ، أم كان العجز بالإضافة إلى ما تضمنه من علوم البيان ، وقد مر الكلام على ما تضمنه من علوم المعاني ، والذي نذكره هاهنا هو ما تضمّنه من علوم البيان ، فنذكر ما تضمنه من التشبيه ، ثم نردفه