تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
مَلَكٌ كَرِيمٌ ( 31 )
[ يوسف : 31 ] فقوله :
إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ( 31 )
سيق من أجل رفع الوهم بالجملة الأولى ، غير أن تكون على ظاهرها من الدلالة على الإغراق في مدحه ، ومنه قوله تعالى :
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
[ لقمان : 7 ] فقوله
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
إنما ورد على جهة الاتصال من غير واو ، تقريرا لما سبق من الجملة الأولى من عدم السماع ، وإيضاحا لها . وخامسها أن تكون الجملة الثانية واردة على إرادة قطع الوهم على ما قبلها من الجمل السابقة ، ومثاله قوله تعالى :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : 15 ] فإنما وردت من غير واو ، دلالة على أن عطفها على ما تقدم من الجملة السابقة متعذر ، فلهذا وردت من غير واو ، رفعا لهذا التوهم وقطعا له ، ويجوز أن تكون واردة على جهة الاستئناف ، تنبيها على البلاغة بمطابقة محزّها ومفصلها ، وإعلاما من الله تعالى بأنهم من أجل خداعهم ومكرهم مستحقون من الله تعالى غاية الخزي والنّكال ، وتسجيلا عليهم بأن الله تعالى هو المتولى لذلك دون سائر المؤمنين ، ونبّه بالفعل المضارع في قوله :
يَسْتَهْزِئُ
بحدوث الاستهزاء وتجدده ، فأما قوله تعالى :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 )
[ البقرة : 14 ] فإنما أتى من غير واو ، لاندراجه على جهة البيان تحت قولهم :
إِنَّا مَعَكُمْ
[ البقرة : 14 ] أي إنا معكم على الموافقة على ذنبكم في التكذيب والجحود غير مفارقين لكم مستمرين على اليهودية ، وكوننا معهم ليس على جهة التصديق ، إنما كان على جهة الاستهزاء والسخرية بما هم عليه من الإيمان ، فبهذا يكون ورود الفصل في كتاب الله تعالى ، ولله در لطائف التنزيل ، لقد أطلعت طلابها على مطالع أنوارها ، وأوضحت لهم المنار ، فاستضاءوا بضوء شموسه وأنوار أقمارها ، وأما الوصل فهو عطف الجملة على الجملة ، والمفرد على مثله ، بجامع ما ، وهو قد يرد لرفع الإيهام ، كقولك : لا ، وأيدك الله ، فالواو هاهنا جاءت لرفع الوهم عن أن يكون دعاء عليه في ظاهر الأمر كما ترى ، وكما يرد في المفرد فقد يرد في الجمل ، فهذان ضربان ، نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما بمعونة الله تعالى .