تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩

النظر الرابع في الفصل والوصل

ولهما محل عظيم في علم المعاني ، وواقعان منه في الرتبة العلياء ، ونحن الآن نشير إلى زبد منهما مما يتعلق بغرضنا ، أما الفصل فهو في لسان علماء البيان ، عبارة عن ترك الواو العاطفة بين الجملتين ، وربما أطلق الفصل على توسط الواو بين الجملتين ، والأمر في ذلك قريب بعد الوقوف على حقيقة المعاني ، لكن ما قلناه أصدق في اللقب من جهة أن الجملة الثانية منفصلة عما قبلها ، فلا تحتاج إلى واصل هو الواو ، فلأجل هذا كان ما ورد من غير واو بين الجملتين أحق بلقب الفصل ، وهذا يرد في التنزيل على أوجه نذكرها ، أولها أن تكون الجملة واردة على تقدير سؤال يقتضيه الحال ، فلأجل هذا وردت هذه الجملة مجردة عن الواو ، جوابا له ، ومثاله قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع فرعون :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 )
[ الشعراء : 23 ] فإنما جاءت من غير واو على تقدير سؤال تقديره ، فما ذا قال فرعون ، لما دعاه موسى إلى الله تعالى ، قال فرعون :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 )
ثم قال موسى :
قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 )
[ الشعراء : 24 ] وإنما جاءت من غير واو لأنها على تقدير سؤال كأنه قال : فما قال موسى ، قال : الآية ، وهلم جرا إلى آخر الآيات التي أتت من غير واو كقوله تعالى :
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 ) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 )
[ الشعراء : 25 - 31 ] فانظر إلى مجىء القول من غير واو على جهة الاتصال بما قبله على تقدير السؤال الذي ذكرناه ، وهكذا ورد في سورة الذاريات قال الله تعالى :
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ
[ الذاريات : 25 ] ثم قال
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 )
[ الذاريات : 27 ] وهذا من الاختصار العجيب اللائق بالتنزيل ، وثانيها : أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة الإيضاح والبيان بالإبدال ، كقوله تعالى :
بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ( 81 ) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 82 )
[ المؤمنون : 81 - 82 ] فالقول الأول هو الثاني ، أورد على جهة الشرح والبيان ، لما دل عليه الأول وقوله تعالى :
وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما