تَعْلَمُونَ ( 132 ) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ( 133 ) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 134 )
[ الشعراء : 132 - 134 ] فانظر كيف شرح الإمداد الثاني ، إيضاحا للأول وتقوية لأمره ، وقوله تعالى :
قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( 20 ) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 21 )
[ يس : 20 - 21 ] فالاتباع الثاني وارد على جهة الإيضاح ، هكذا القول في كل جملة أتت عقب أخرى على الإبدال منها ، فإنها تأتى من غير واو لما ذكرناه . وثالثها : أن تكون الجملة الأولى واردة على جهة الخفاء ، والمقام مقام رفع لذلك اللبس ، فتأتي الجملة الثانية على جهة الكشف والإيضاح لما أبهم من قبل ، ومثاله قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 )
[ البقرة : 8 ] ثم قال :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
[ البقرة : 9 ] فجرد قوله
يُخادِعُونَ اللَّهَ
عن الواو ، إرادة لإيضاح ما سلف من قوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 )
ومراده أن كل ما كان قولا باللسان من غير اعتقاد في القلب فهو خداع لا محالة ، وهذه هي حالتهم فيما صدر منهم من الإيمان باللسان ، وقوله تعالى :
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ
[ طه : 120 ] فأتى بقوله :
قالَ يا آدَمُ
مجردا عن الواو ، تنبيها على إيضاح الوسوسة وكشف غطاها وشرح تفاصيلها ، ولو أتى بالواو لم يعط هذا المعنى لما فيها من إيهام التغاير المؤذن بعدم الكشف والإعراض عن التقرير ، ورابعها : أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة رفع التوهم عن الجملة الأولى عن أن تكون مسوقة على جهة التجوّز والسهو والنسيان ، ومثاله قوله تعالى في صدر سورة البقرة
ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ
[ البقرة : 1 - 2 ] فلما كانت هذه الجملة واردة على جهة الإيضاح بأن هذا القرآن قد بلغ أعلى مراتب الكمال ، وسيقت على المبالغة بإعظامه ، وأنه لا رتبة فوقه ، حيث صدّر السورة بالأحرف المقطعة ، إشعارا ببلاغته ، وجيء باسم الإشارة مع اللام تنبيها على ما تضمنته من البعد ، على صفة الإغراق في وصفه ، فلما كان الأمر فيه هكذا ، سبق إلى فهم السامع أن ما يرقى به من هذه السمات البالغة ، إنما هي على جهة الخرف والسهو والذهول ، وأنه لا حقيقة لها ، أراد رفع الوهم بما عقبه من الجمل المرادفة ، فلهذا وردت من غير واو ، إشعارا بما ذكرناه ، فقال
لا رَيْبَ فِيهِ
[ البقرة : 2 ] أي ليس أهلا لأن يكون مرتابا فيه ، وأن يكون محطا للريبة ومحلّا لها ، ثم أردفه بقوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 )
[ البقرة : 2 ] أي إنه هاد لأهل التقوى معطيا لهم حظ الهداية به ، ومن هذا قوله تعالى :
ما هذا بَشَراً
[ يوسف : 31 ] ثم قال
إِنْ هذا إِلَّا