تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
الجبال وما تضمنته من العجائب العظيمة من أجل أنهم إذا قعدوا في البراري وبطون الأودية ، لا يأمنون التخطف لهذه الأنعام والنفوس والأموال ، فأشار إليها لما فيها من التحفظ على أموالهم ونفوسهم ، بارتفاعها وكونها شوامخ لا يوصل إليها لعلوها وارتفاعها ، فعقب بها ذكر السماء ، لما أشرنا إليه ، ووجه آخر وهو أنها لما كانت في غاية الارتفاع والسمو أشبهت السماء في علوها وارتفاعها ، فلهذا عقبها بها ، ثم أردفها بذكر الأرض ، ومنبها على ما لهم فيها من المعاش والاستقرار بأنواع الارتفاقات التي لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى من الأرزاق والثمار والفواكه والمعادن ومجارى العيون والأمواه ، وغير ذلك ، فأشار الله تعالى إلى هذه العجائب الأربعة ، لمّا كانت من أعظم الآيات الباهرة ، وقد عددنا هذه في عطف المفردات نظرا إلى عطف المجرورات بعضها على بعض وكان ما بعدها منفصلا عنها ، فهذا هو الذي حسن منه ، والأقرب أن يكون من الجمل ، لأن ما تقدم من المجرورات هو متعلق بالجمل بعدها ، فلهذا كان معدودا من الجمل ، الآية الثانية ذكرها في سورة آل عمران وهي قوله تعالى :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[ آل عمران : 14 ] فانظر إلى عجائب هذه الآية ولطافة معناها في تقديم بعضها على بعض ، فلما كانت الآية مسوقة من أجل تزيين المشتهيات في أفئدة بني آدم واستيلائها عليها قدّم ما هو الأدخل في ذلك ، فصدرها بذكر النساء ، تنبيها على أن لا مشتهى يغلب على العقول مثلهن على القلوب من توقان النفوس إليهن وعن هذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ما رأيت أغلب لذوي العقول من النساء ، وعن إبليس : ما نصبت فخا أثبت في نفسي من فخ أنصبه بامرأة ، وفي هذا دلالة على استيلائهن على العقول ، لأنهن أدخل في المشتهيات ، ثم عقّبه بذكر البنين لما كانوا مما يلي النساء في الرقة والرحمة والشفقة والحنو ، مع المشاكلة في الخلقة والصورة ، ثم أردف ذلك بالأموال الذهبية والفضية ، لما يحصل فيها من اللذة والسرور والاطمئنان وانشراح الصدور بها والاستطالة والقوة ، كما يحصل بالأبناء ، ولكن الأولاد أدخل فرحا وأشد محبة ، وأكثر بهم رحمة ورأفة ، وقوله : « القناطير المقنطرة » مبالغة في وصفها ، كما