تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
العلماء من ذهب إلى اعتبارها في الأمر والنهى ، والصحيح خلافه ، وقد يرد على جهة التهديد كقول المعلم لصبيانه ، « لا تقرءوا » ، وقد زعم السكاكى التكرار والفور فيهما جميعا ، بناء على التوهم الذي حكيناه عنه ، وهو فاسد ، فإن كلامنا إنما هو في مطلق الصيغة فيهما جميعا ، هل تدل على شيء من هذه اللوازم العارضة ، كالفور والتراخي ، والتكرار وعدمه ، والمختار عندنا أنهما بالإضافة إلى مطلق صيغهما لا دلالة لهما على شيء من هذه اللوازم ، وإنما تعرف هذه اللوازم بأدلة منفصلة من وراء الصيغة ، والذي يدل عليه بمطلقهما ، هو الطلب في الأمر ، والمنع في النهى ، لأن هذين الأمرين من حقائقهما ، فلا جرم كانا دالين عليهما ، فأما ما وراء ذلك من تلك الأمور اللازمة ، فإنما تعرف بأدلة شرعية لا من نفس الصيغة ، ومثال ذلك من التنزيل قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
[ الأنعام : 151 ] ، و
لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[ البقرة : 188 ] ،
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ الإسراء : 34 ] إلى غير ذلك من المناهى الشرعية ، فإنها دالة على المنع والتحريم .

دقيقة

اعلم أن الأمر والنهى يتفقان في أن كل واحد منهما لا بدّ فيه من اعتبار الاستعلاء ، وأنهما جميعا يتعلقان بالغير فلا يمكن أن يكون الإنسان آمرا لنفسه ، أو ناهيا لها ، وأنهما جميعا لا بدّ من اعتبار حال فاعلهما في كونه مريدا لهما ، إلى غير ذلك من الوجوه الاتفاقية ، ويختلفان في الصيغة ، لأن كل واحد منهما مختص بصيغة تخالف الآخر ، ويختلفان في أن الأمر دال على الطلب ، والنهى دال على المنع ، ويختلفان أيضا في أن الأمر لا بدّ فيه من إرادة مأمورة ، وأن النهى لا بدّ فيه من كراهية منهية ، إلى غير ذلك من الوجوه الخلافية ، واستغراقها يكون بالمسائل الأصولية ، وقد رمزنا إليها .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 157 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي