تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨

الضرب الثالث منها في الاستفهام

ومعناه طلب المراد من الغير على جهة الاستعلام ، فقولنا : طلب المراد ، عام فيه وفي الأمر ، وقولنا ، على جهة الاستعلام ، يخرج منه الأمر ، فإنه طلب المراد على جهة التحصيل والإيجاد ، وآلاته على نوعين ، أسماء ، وحروف ، فالحروف ، الهمزة ، وهل ، لا غير ، والأسماء على وجهين أيضا ، ظروف وأسماء ، فالظروف الزمانية نحو متى ، وأيّان ، والظروف المكانية نحو أين ، وأنّى ، وأما الأسماء فهي من ، وما ، وكم ، وكيف فهذه آلات كلها كما ترى للاستفهام ، ثم إنها تنقسم باعتبار ما تؤديه من المعنى إلى ثلاثة أقسام ،

فالقسم الأول منها موضوع للتصور ،

وهو من ، وما ، وكم ، وكيف ، وأين ، وأنى ، ومتى ، وأيان ، ومعنى قولنا إنها دالة على التصور ، هو أنها موضوعة للسؤال عن الماهية الحاصلة في الذهن من غير أن يضاف إليها حكم من الأحكام ، مما هو موضوع للتصور في السؤال ، كقولك ما الجسم وما العرض ، وما الملك ؟ ولهذا فإنه يحق على المجيب أن يجيب بذكر ماهية هذه الأمور ، ليكون جوابه مطابقا لسؤال السائل ، وقد يسأل بها عن اللفظ ، فيقال ما العقار ، وما الزرجون ؟ فيقال الخمر ، قال السكاكى : وقد يسأل بها عن الصفة ، فيقال ما زيد ، وجوابه الطويل ، أو القصير . وأما « من » ، فهي دالة على التصور أيضا كقولك : من جبريل ، أي من أي الحقائق هو ، أبشر هو ، أم جنىّ ، أم ملك ، وتقع سؤالا عن الشخص من أولى العلم ، كقولك : من في الدار ، فتقول : زيد ، قال الله تعالى في السؤال : « بما » في قصة البقرة
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها
[ البقرة : 69 ] يعنى من أي حقيقة الألوان لونها ، فأجاب : بأنها صفراء ، ثم قال :
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
[ البقرة : 68 ] وقال في سؤال فرعون :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 )
[ الشعراء : 23 ] فأجابه الله تعالى بذكر الصفة وحقيقتها ، فهذا كله دال على أنها موضوعة للتصور فيما كانت سؤالا عنه ، سواء كان ذاتا أو صفة ، وقال الله تعالى في السؤال « بمن »
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
[ النمل : 61 ] وقال :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[ النمل : 62 ] فهذا سؤال عن حقيقة الشئ وتصور ماهيته .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 158 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي