تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
الأمر ، بدليل أن العبد يجوز أن يأمر سيده بما هو على جهة الاستعلاء ، ولا يصفونه بالحماقة ، ولو كانت الرتبة معتبرة لم يعقل ذلك في حق العبد ، لبطلانها فيه ، فهذه هي الماهية الصالحة للأمر في نحو قولك « افعل » للمخاطب ، و « ليفعل » للغائب ، إلى غير ذلك من الصيغ المقررة في علم الإعراب ، وحقيقة قولنا : « افعل » ، الطلب والتردد فيه هل هو حقيقة في الوجوب ، مجاز في الندب ، أو بالعكس ، أو مشترك بينهما . فأما ما عدا ذلك من الإباحة كقوله تعالى :
كُلُوا وَاشْرَبُوا
[ البقرة : 60 ] أو التسخير كقوله تعالى :
كُونُوا قِرَدَةً
[ البقرة : 65 ] أو الإهانة ، كقوله تعالى :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 )
[ الإسراء : 50 ] أو التهديد ، كقوله تعالى :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[ فصلت : 40 ] أو التسوية ، كقوله تعالى :
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا
[ الطور : 16 ] أو غير ذلك من المعاني المستعملة في غير الطلب ، فإنها على جهة المجاز ، وهذا كقوله تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي
[ البقرة : 152 ] وقوله تعالى :
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
[ غافر : 60 ] ونحو قوله تعالى :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[ البقرة : 43 ] وقوله تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
[ آل عمران : 102 ] إلى غير ذلك من الأوامر الشرعية ، والمطلوبات الواجبة والنفلية ، والأمر بالإضافة إلى تعلقاته ، هل يفيد التكرار أو لا ؟ وهل يقتضى الفور فيما كان من الأوامر الطلبية أو لا ؟ حكى عن السكاكى أنه مفيد للفور ، لأنه الظاهر من الطلب ، ولتبادر الفهم إلى التحصيل ، وفيه نظر ، والحق أن الأوامر ساكتة ، بالإضافة إلى التكرار ، وبالإضافة إلى الفور ، وليس في ظاهرها ما يدل على واحد من هذين الأمرين إلا لدلالة خارجة عن ظاهر الأمر ، وقد قررنا هذه المسألة في الكتب الأصولية ، فإن فيها محطّ رحالها ، وعليها حمل عبئها وأثقالها ، والإحاطة بعلوم البيان لا تكفى في تحقيق هذه المسألة ، بل لها مأخذ آخر موكول إلى علماء الأصول ، ولقد صدق من قال :
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة * فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر

الضرب الثاني : النهى

وهو عبارة عن قول ينبئ عن المنع من الفعل على جهة الاستعلاء ، كقولك : لا تفعل ، ولا تخرج . فقولنا : « قول ينبئ » ، يدخل فيه جميع ما يدل على المنع من الفعل في سائر اللغات ، وقولنا « على جهة الاستعلاء » ، نحترز به عن الرتبة ، فإنها غير معتبرة ، ومن
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 156 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي