تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
فيجعل ، والولدان ، على حقيقتيهما والمجاز في إسناد الجعل إلى اليوم كما ترى ، وثانيها أن يكون على جهة المجاز ، ومثاله قولنا : أحيا الأرض شباب الزمان ، فإن الإحياء مجاز ، والشباب مجاز ، وإسناد الإحياء إلى الشباب مجاز أيضا ، وثالثها أن يكون المسند في نفسه ، وهو قولنا : أنبت ، حقيقة ، والمسند إليه مجاز ، وهو قولنا « شباب الزمان » فإسناد الإنبات إلى الشباب مجاز ، ورابعها أن يكون المسند في نفسه مجازا ، والمسند إليه حقيقة ، ومثاله قولنا : أحيا الأرض الربيع ، فالإحياء مجاز ، والربيع حقيقة ، وإسناد الإحياء إلى الربيع مجاز أيضا ، فصار واقعا على هذه الأوجه لا يخرج عنها ، ويعرف كونه مجازا ، إما بالقرينة العقلية في مثل قولك : أحياني اكتحالى بطلعتك ، ومحبتك جاءت بي إليك ، فإن إسناد الإحياء إلى الاكتحال ، والمجيء إلى المحبة ، يستحيل من جهة العقل ، فلهذا قضينا بكونه عقليا ، وإما بالقرينة العادية في مثل قولك : هزم الأمير الجند ، والحقيقة أن الهازم عسكره ، ونحو قولك : قتل الأمير اللص ، والقاتل هو غيره ، وإما بالقرينة اللفظية كقولنا : عيشة راضية ، والحقيقة مرضية ، وشعر شاعر ، والحقيقة مشعور به ، وليله قائم ، أي مقوم فيه ، ونهاره صائم ، فإسناد هذه الألفاظ هو الذي أوجب كون هذه الأخبار مجازا ، فلأجل ذلك كانت هذه القرينة لفظية ، وإنما عدل فيما ذكرناه عن حقيقته ، لما كان المجاز مشتملا على المبالغة الرائقة .

دقيقة

اعلم أن ما ذكرناه من المجاز الإسنادى العقلي هو الذي قرره الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني ، واستخرجه بفكرته الصافية ، وتابعه على ذلك الجهابذة من أهل هذه الصناعة ، كالزمخشرى ، وابن الخطيب الرازي ، وغيرهما من النظار ، وقرروه على ما حكيناه ولخصناه ، وقد يتأكد في قبوله ، وأنكره الشيخ أبو يعقوب السكاكى ، صائرا إلى أن ما ذكرناه منه إنما هو استعارة بالكناية من غير حاجة إلى كونه مجازا عقليا ، ورغم أن المراد بالربيع ، في قولنا : أنبت الربيع البقل ، هو الفاعل الحقيقي ، بقرينة نسبة الإنبات إليه ، وهكذا القياس في سائر الأمثلة التي ذكرناها ، وهو تعسف لا حاجة إليه ، لأنه يلزم أن لا يكون الإخراج مضافا إلى الأرض ، وأن لا يكون الأمر بالبناء مضافا إلى هامان ، وهو خلاف الظاهر ، فيجب التعويل على ما حكيناه عن غيره ، فهذا ما أردنا ذكره من بيان ما يتعلق بمطلق الإسناد ، ولنردفه بما يتعلق بتفاصيله ، من ذكر المسند والمسند إليه ، فهذان ضربان ، نذكر ما يخصهما بمعونة الله تعالى .