تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠

المرتبة الثانية في بيان المزايا الراجعة إلى معانيه

اعلم أن بإحكام النظر في هذه المرتبة ، وإمعان الفكرة فيها ، تظهر عجائب التنزيل ، وتبرز بدائعه وغرائبه وتتجلى محاسنه ، وتصفو مشاربه ، لما فيها من الكشف لأسراره والإحاطة بغوائله وأغواره ، ولن يحصل ذلك كل الحصول ، ولا تطلع أقمار بعد الأفول ، إلا بعد ذكر ما يتعلق بعلوم الإعجاز ، لأنها تكون كالآلة في تقرير تلك المحاسن ، وإظهار كنوز تلك المعادن ، فنذكر ما يتعلق بالعلوم المعنوية ، ثم نردفه بما يتعلق بالأسرار البيانية ، ثم نذكر ما يتعلق بالبلاغة اللفظية ، ثم بالبلاغة المعنوية ، ثم نذكر على إثرهما ما يتعلق بأسرار البديع ، فهذه أقسام ثلاثة ، بإحرازها ، والاطلاع على رموزها ، يظهر الإعجاز للإنسان ظهور المرئى في العيان ، ولقد سبق صدر من هذا الكلام في الدلائل الإفرادية ، ولكن ذكره هاهنا على جهة الاختصاص بمعانى التنزيل ، والإشارة إلى كنه حقائقها ،

ونحن الآن نذكر ما يتعلق بكل قسم من هذه الأقسام بمعونة الله تعالى .

القسم الأول ما يتعلق بالعلوم المعنوية

وهو في لسان علماء هذه الصناعة عبارة عما ينشأ من الألفاظ العربية على اختلاف أحوالها ، وحقيقته آئلة إلى أنه علم تدرك به أحوال الألفاظ العربية على حسب المقصود منها ، فقولنا « علم تدرك به أحوال الألفاظ » نحترز به عن علم البيان ، فإنه يدرك به أسرار تنشأ عن التراكيب كما سنوضحه ، وقولنا « على حسب المقصود منها » نشير به إلى الأمور الخبرية ، والأمور الإنشائية الطلبية ، وغيرهما مما يكون مفهوما من الألفاظ العربية ، وينحصر المقصود منه في أنظار خمسة .

النظر الأول ما يكون متعلقا بالأمور الخبرية ،

وحقيقة الخبر إسناد أمر إلى غيره ، إما على جهة المطابقة ، أو خلافها ، فقولنا « إسناد أمر إلى غيره » يعم الطلب والخبر ، لأن كل واحد منهما لا بدّ فيه من الإسناد ، وقولنا « إما على جهة المطابقة أو غيرها » تخرج عنه الأمور الإنشائية ، فإنه لا يعتبر فيها عدم المطابقة ولا ثبوتها بحال ، وينقسم إلى صدق وكذب لا غير ، لأنه إن طابق مخبره فهو الصدق ، وإن كان غير مطابق فهو الكذب بعينه ، ولا واسطة بين الصدق والكذب ، وزعم الجاحظ أن كل ما طابق من الأخبار المخبر مع الاعتقاد أو الظن فهو صدق ، وما لا يطابق معهما