تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
لأنه تعالى محتجب عن إدراك العيون ، وإما من غير ذلك ، فأما من زعم كونه اسما عجميا سريانيا ، فقد أبعد ، إذ لا دلالة على ذلك ، والقرآن كله عربى ، إلا ما قام البرهان القاطع على كونه فارسيا أو روميا ، وقد يذكر العلم المسند إليه ، والمراد به التحقير كقوله تعالى
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 )
[ المسد : 1 ] فإيراده هنا باسمه دال على تحقيره وإهانته ، والمعنى تبت يدا رجل حقير مهين ، أو يراد بذكره كناية ، كأنه قال تبت يدا من يستحق اللعن والعذاب العظيم ، وهو هذا ، فلقبه هذا نازل منزلة العلم في حقه لما فيه من الإشادة والإشهار به ، فمن أجل ذلك ذكره الله تعالى به ، وحذف اسمه العلم ، وهو « عبد العزّى » لاشتماله على ما ذكرناه من صفاته المذمومة ، كأنه قال صاحب هذه الكنية هو الكافر اللعين المتمرد صاحب العداوة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمستحق لغضب الله تعالى وسخطه ، وأما تعريفه بالإشارة فقد يكون لتعريف حاله وإيضاحه ، إما لتعظيم حاله بالإشارة الموضوعة للبعد كقوله تعالى
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
[ البقرة : 2 ] وإما للتحقير كقوله تعالى :
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
[ آل عمران : 175 ] وقد يرد لتعظيم حاله بالإشارة الموضوعة للقريب كقوله تعالى :
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 )
[ قريش : 3 ] أو للتحقير كقوله تعالى
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
[ الأنبياء : 36 ] وقد يرد بالإشارة المتوسطة ، إما للتعظيم وكمال العناية به كقوله تعالى :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 )
[ البقرة : 5 ] وإما للتحقير كقوله تعالى :
فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 )
[ المؤمنون : 103 ] ومما ورد على جهة الإشارة في البعد قوله تعالى :
فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
[ يوسف : 32 ] ولم يقل : هذا يوسف ، ولا قال : فذاك ، على جهة القرب والتوسط ، وإنما أشار إليه بما يقتضى البعد ، رفعا لمنزلته في الحسن ، واستبعادا عن أن يدانى فيه ، وتنبيها على كونه مستحقا لأن يحب ويفتتن به ، ومن قوله تعالى :
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 72 )
[ الزخرف : 72 ] ولطائف هذا الجنس لا تكاد تنحصر ، ومواقعه أكثر من أن تحصى ، وقد جرى في تعريف الإشارة ما ليس على جهة المسند إليه كقوله تعالى في الإشارة إلى القريب
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 )
[ قريش : 3 ] فإنه ليس من المسند إليه في شيء ، وجريه كان على جهة التوسع في التمثيل ، وأما تعريفه بالموصولية ، فإنه يقصد بتعريفه بالصلة ، إحضاره في الذهن بجملة معلومة للمخاطب ، ومن ثم اشترط فيها أن تكون
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 146 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي