النظر الأول في مفرداتها وتقديم بعضها على بعض
إنما اختير لفظ « يا » من بين سائر أحرف النداء من جهة أنها كثيرة الدور في الاستعمال ، وأنها موضوعة للدلالة على بعد المنادى ، والبعد هنا يجب أن يكون معنويا ، لأن البعد الحسى على الله تعالى محال ، من جهة استحالة الجهة على ذاته ، وذلك أن المعنوي يكون من جهات خمس ، أولها : أنه تعالى لما كان مختصا بعدم الأولية في ذاته سابقا على وجود الممكنات سبقا أوليا بلا نهاية ، وأن الأرض من جملة الممكنات التي لها بداية ، ولا شك أن كل ما كان لا أول له فهو في غاية البعد عما له أول ، وثانيها : من جهة عدم التناهي في ذاته تعالى من كل وجه ، بخلاف الأرض ، فإنها متناهية في ذاتها من كل وجه ، وليس يخفى ما بين التناهي وعدم التناهي من البعد العظيم ، وثالثها : اختصاص ذاته بالعظمة والكبرياء ، واختصاص الأرض بنقيضها من التسخير والقهر ، ورابعها :
اختصاص ذاته بالاستغناء من كل وجه في ذاته وصفاته ، بخلاف الأرض ، فإنها مفتقرة في ذاتها من كل وجه إلى فاعل ومدبر ، ومن كان مستغنيا في ذاته وصفاته فإنه في غاية البعد المعنوي عما يكون مفتقرا في ذاته وصفاته إلى غيره ، وخامسها : أنه نداء من اختص بكمال العزة لمن هو في غاية الذلة ، كما ينادى السيد عبده ، فلما كانت الأرض مختصة بما ذكرناه من البعد من هذه الأوجه ، لا جرم كان نداؤها مختصا ب « يا » من بين صيغ النداء ، وإنما قال :
يا أَرْضُ
ولم يقل : « يا أرضى » إيثارا لتحقيرها ، لأنه لو أضافها إلى نفسه ، لكان قد أقام لها وزنا عنده بإضافتها إليه ، لأن المضاف أبدا يكتسى من المضاف إليه شرفا وتخصيصا وتعريفا ، ولم يقل : « يا أيّتها الأرض » إيثارا للاختصار ، وعملا على الإيجاز ، وتحرزا عن الإيقاظ بما يظهر من لفظ التنبيه الذي لا يليق بمقام الخطاب الإلهى ، لاستحالته فيه ، واختير لفظ الأرض لأمرين ، أما أولا : فلأن المدحوّة والمبسوطة والمهاد وغير ذلك ، مما يستعمل في الأرض صفات زائدة تابعة للفظ الأرض ، وأما ثانيا : فلأن لفظ الأرض أخف وأكثر دورا واستعمالا مما ذكرناه ، فلهذا وجب إيثاره على غيره من أسمائها ، واختير لفظ