تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
الانقياد ، فسبحان من شملت قدرته جميع الممكنات ، تكوينا وإيجادا ، وأحاط بكل المعلومات إحكاما وإتقانا ، فهذا تقرير نظم الكلام وتأليفه ، ثم إنا نعطف على بيان روابط المجاز وعلائقه في الآية ، فقال عز من قائل
وَقِيلَ
على جهة المجاز عن الإرادة ، ثم إنه حذف الفاعل ، وجعله في طىّ الفعل ، إبهاما وإعظاما لحاله عن الذكر عند عروض أمر هذه المكونات على جهة الذل والتسخير ، ثم جعل قرينة المجاز مخاطبته للجمادات كما في قوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] ،
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[ هود : 44 ] ، على جهة التشبيه لمّا جعلا بمنزلة من عقل الأمر وفهم عظم الاستيلاء ، ثم استعار لفور الماء في الأرض اسم البلع الذي يطلق على القوة الجاذبة للمطعوم ، لانعقاد الشبه بينهما ، وهو الإذهاب إلى مقر خفى ، ثم استعار الماء للغذاء على جهة الكناية ، تشبيها له بالغذاء ، لأن الأرض لما كانت تتقوى بالماء في الإنبات للزرع والأشجار والثمار ، تقوى الآكل بالطعام ، وجعل القرينة الدالة على الاستعارة في لفظ
ابْلَعِي
هو كونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء ، ثم إنه وجه الخطاب لها بالأمر على جهة الاستعارة لما ذكرناه من التنبيه المتقدم ، حيث نزلها منزلة العقلاء الذين تسربلوا سرابيل المهابة ، وتلفعوا بأردية التّذلل منقادين في حكمة القهر عليهم ببؤس الاستكانة ، وضرع الاستسلام والذلة ، وخاطب بالأمر ترشيحا للاستعارة في النداء ، ثم قال
ماءَكِ
مضيفا الماء إلى الأرض على جهة الاستعارة لما لها به من الاختصاص ، وجعل الإضافة باللام تشبيها للأرض بالمالك ، حيث كانت متصرفة فيه بالابتلاع والذهاب فيه . وانتفاعها به ، ثم إنه قدّم الأرض على السماء لأوجه خمسة ، أما أولا : فلما للخلق من الانتفاع بالأرض بالاستقرار وكونها بساطا لهم ، وأما ثانيا : فلأنها لما كانت مقرا للسفينة التي تكون بها النجاة لمن ركبها ، وأما ثالثا : فلأنها لما كانت مقرا لمائها وماء السماء ، وحيث يكون اجتماعها كانت أحق بالتقديم ، وأما رابعا : فلأن الغرض هلاكهم في الأرض لأجل ما حصل من العصيان والمخالفة فيها ، وأما خامسا : فلأن البداية بالغرق كانت من جهة الأرض ، ولهذا قال تعالى :
فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ
[ المؤمنون : 27 ] فكان أول نبوع الماء من الأرض ، فلأجل هذه الأمور كانت مقدمة في الخطاب ثم إنه تعالى أقبل على خطاب السماء بمثل ما خاطب به الأرض ، لما كان الماء النازل منها هو السبب في الإهلاك بالغرق ، فلأجل ذلك عطف خطابها على خطاب الأرض فقال :
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[ هود : 44 ] وما ذكرناه في نداء الأرض وخطابها من الاستعارة فهو حاصل في خطاب السماء ، وإنما اختار لاحتباس المطر