اسم الإقلاع الذي هو ترك الفعل من جهة الفاعل ، فإنه يقال في حال من استمر من جهته فعل من الأفعال ثم تركه : أقلع عنه ، لأن إنزال المطر لما كان صادرا منها على سبيل الاستمرار ثم رفع ، كأنها أقلعت عن فعله ، وإنما ذكر متعلق فعل الأرض بقوله :
ابْلَعِي ماءَكِ
ولم يذكر متعلق فعل السماء فلم يقل : ويا سماء أقلعى عن صب مائك ، من جهة أن الأرض لما كان لها اعتمال في بلع الماء ، فلأجل هذا ذكر متعلق فعلها ، بخلاف السماء فإنه لا عمل لها هناك إلا ترك الصب والكف ، فلأجل ذلك لم يكن حاجة إلى ذكر متعلقها ، وإنما وجه أمر الأرض بالفعل المتعدى ، ووجه أمر السماء بالفعل اللازم ، من جهة تصرف الأرض في الماء ، بصيرورته في بطنها بخلاف السماء فإن الغرض بقوله :
أَقْلِعِي
أي كونى ذات إقلاع وكفّ عن الصب لا غير ، ولذا يقال ابتلعت الخبز ، وأقلعت السماء إذا صارت ذات إقلاع في سحابها ، ثم قال بعد ذلك :
وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
[ هود : 44 ] فأتى بهذه الجمل الخبرية عقب تلك الأوامر على جهة الإبهام لفاعلها ، إعلاما بأن مثل هذه الأمور العظيمة والخطوب الهائلة ، لا تصدر إلا من ذي قدرة ، لا تكتنهه العقول ولا تناله الأفهام ، وتعريفا بأن الوهم لا يذهب إلى أن غيره قائل : يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعى ، ولا يغيض الماء ، ولا يقضى الأمر في هلاكهم ، ولا تستوى السفينة على الجودى ، ولا يبعدهم عن الرحمة باستحقاق العقوبة إلا هو ، فلا جرم أبهم ذكره من أجل ذلك ، ثم إنه ختم الكلام على جهة التعريض بقوله :
وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 )
[ هود : 44 ] تنبيها على أن ذلك إنما كان من أجل ظلمهم لأنفسهم بتكذيب الرسل وإعراضهم عما جاءوا به من الحجج الظاهرة ، والأعلام النيرة ، وأن من كان على مثل حالهم فإن الهلاك واقع به لا محالة من غيرهم ممن بعدهم ، وفيه وعيد لقريش ومن حذا حذوهم في تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « إيّاك أعنى فاسمعي يا جارة » وإنما كرر قوله :
وَقِيلَ بُعْداً
ولم يكرره في خطاب السماء فيقول : « وقيل يا أرض وقيل يا سماء » من جهة أن السماء من جنس الأرض في مقصود الأمر منهما ، وهو إزالة الماء عنهما ، فاكتفى بإظهاره في إحداهما وحذفه من الأخرى ، بخلاف قوله
بُعْداً
فإنه مصدر وجّه على جهة الدعاء ، ليس مجانسا لما سبق ، فلهذا كرر القول فيه إعلاما بأنه من جملة القول ، واهتماما بالدعاء عليهم بالإبعاد عن الرحمة باستحقاق العقوبة السرمدية ، أعاذنا الله منها برحمته ، فهذه جملة ما يتعلق بالآية من العلوم البيانية ، وتحتها أسرار أوسع مما ذكرناه .