تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
لأمره ، وأنه الذي وقع الإهلاك به لقوم نوح ، فيعظم الامتنان على من بقي في السفينة بإزالته ، وإنما قال « الأمر » في قوله تعالى :
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
ولم يقل وقضى أمر نوح ، أو قضى الهلاك ، أو قضى الإغراق ، لأمرين ، أما أولا : فلأجل إيثار الاختصار ، وتعويلا على الإيجاز ، وأما ثانيا : فلأن وقوع ما وقع إنما كان من أجل العناية بنوح في إغراق قومه ، وإظهار الأنصار له ، فجاء باللام العهدية إشارة إلى ذلك ، مع ما تضمن من الفخامة في معرض الامتنان على نوح بالانتقام من قومه بما كذبوه ، وإنما اختير
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
[ هود : 44 ] ولم يقل : سويت كما قال : وغيض ، وقضى ، على البناء للمفعول لأمرين ، أما أولا فمن أجل ثقل الفعل بالتضعيف عند بنائه لما لم يسم فاعله ، فلهذا أوثر الأخف ، وأما ثانيا فلأن الأكثر في الاستعمال إضافة الأفعال إلى هذه الآيات ، فيقال : هبت الريح ، ومطرت السحابة ، واستوت السفينة على الماء ، قال تعالى :
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ
[ هود : 42 ] فأضاف الجرى إليها فلأجل ذلك اختير إضافة الاستواء إليها ، وإنما اختير
بُعْداً
ولم يقل : ليبعدوا لأمرين ، أما أولا : فلأن في المصدر نوع تأكيد لا يؤدى به الفعل لو نطق به . وأما ثانيا : فلأنه لو وجهه بالفعل كان مقيدا بالزمان ، وهو إذا كان موجها بالمصدر كان مطلقا من غير زمان ، فلهذا كان أبلغ من ذكر الفعل ، وإنما عرّف القوم باللام إشارة إلى أنهم هم المخصوصون بهذه الأنواع من التنكيل دون غيرهم ، وإنما أتى بلام الجر ولم يقل : فبعدا من القوم ، لما فيها من الاختصاص المشعرة به اللام دون « من » فإنها غير مؤدية لهذا المعنى ، وإنما أطلق صفة الظلم ، ولم يقل الظالمين لأنفسهم تنبيها على شمول ظلمهم من جميع الوجوه ، وفيه تنبيه على فظاعة شأنهم ، وسوء اختيارهم لأنفسهم فيما كان فيهم ، من تكذيب الرسل ، وفيه شرح لصدر الرسول بالانتصار له على من كذبه ، والتأسي بالصبر ووعيد لمن كذّبه بالنّصفة والانتقام منه .