تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥

النظر الثاني في تأليف الجمل وذكر بعضها عقيب بعض

تقديم بعض الجمل على بعض ليس خاليا عن فائدة وسرّ ، وإنما قدم النداء على الأمر فقال : يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعى ، ولم يقل عكس ذلك ، ابلعي يا أرض وأقلعى يا سماء ، لأمرين ، أما أولا فلما في ذلك من الملاطفة والمبالغة في تحصيل المراد ، لأن كل من ناديته فإن نفسه تنزع وله توقان إلى الإجابة وتطلع إلى ما يراد من الدعاء من أمر أو نهى ، فلا تزال النفس تنزع لتعلم ما هو المطلوب ، فمن أجل ذلك قدم الدعاء على الأمر لما فيه من الشوق والتوقان للنفوس ، وأما ثانيا فجريا على ما ألف من الإيقاظ والتنبيه ، لأن كل من طالب أمرا من الأمور من غيره ، فلا بد من إيقاظه وتنبيهه عليه ، ليكون مستعدا للامتثال له ، فلأجل ذلك قدم النداء على الأمر على جهة الإيقاظ والتنبيه مما يطلب من المأمورات ، ثم إنه قدم نداء الأرض على نداء السماء لما ذكرناه من العناية بأمر الأرض من تلك الأوجه الخمسة ، وقد ذكرناها فأغنى عن تكريرها ، ولكونها صارت أصلا لما يرد من هذه الأمور الهائلة من الإغراق والاستواء للسفينة ، وإخراج من كان فيها إلى الأرض ، ثم إنه عز سلطانه أردفها بقوله :
وَغِيضَ الْماءُ
[ هود : 44 ] لاتصاله بقصة الأرض ، وأخذه بحجزتها فلأجل ذلك أتبعه بها ، لما في ذلك من حسن الانتظام ، ورونق الرصف ، ألا ترى أن أصل الكلام : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ، فبلعت ماءها ، ويا سماء أقلعى عن إرسال ماءك ، فأقلعت عن صبه ، فلا جرم حسن أن يقال : وغيض الماء النازل من السماء ، والنابع من الأرض ، ثم إنه جعل وتقدس ، أتبعه بما هو المهم المقصود من القصة ، وهو قوله تعالى :
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
والمعنى به أنه أنجز الموعود من إهلاك الكفار ، ونجاة نوح ومن معه في السفينة ، وإخراجهم إلى الأرض ، لما أراد منهم من العبادة وعمارتها ، والتناسل فيها ، ثم إنه تعالى أتبعه بحديث السفينة وذكرها ، وهو قوله تعالى إعلاما لهم بما يريد من الأمور التابعة للمصلحة ، ثم إنه تعالى ختم القصة بالدعاء عليهم بالإبعاد ، فلما كانت القصة من أولها دالة على العذاب العظيم من الإهلاك بالغرق ، ختمها بما يجانسها من سوء العاقبة بالإبعاد والطرد ، كما هو موضوع في أساليب التنزيل ، من حسن الفواتح والخواتم .