تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦

الوجه الرابع أن يكون راجعا إلى تركيب مفردات الألفاظ العربية ،

وهذا معدود من جملة المحاسن المعدودة في فصاحة الكلام وبلاغته ، ولا بدّ فيه من مراعاة أمرين ، أما أولا فأن تكون كل كلمة منظومة مع ما يشاكلها ويماثلها : كما يكون في نظام العقد ، فإنه إنما يحسن إذا كان كل خرزة مؤتلفة مع ما يكون مشاكلا لها ، لأنه إذا حصل على هذه الهيئة كان به وقع في النفوس وحسن منظر في رأى العين ، وأما ثانيا فإذا كانت مؤتلفة ، فلا بد أن يقصد ما وضع لها بعد إحراز تركيبها ، والمثال الكاشف عما ذكرناه ، العقد المنظوم من اللآلئ ونفائس الأحجار ، فإنه لا يحسن إلا إذا ألف تأليفا بديعا بحيث يجعل كل شيء من تلك الأحجار مع ما يلائمه ، ثم إذا حصل ذلك التركيب على الوجه الذي ذكرناه ، فلا بد من مطابقته لما وضع له ، بأن يجعل الإكليل على الرأس ، والطوق في العنق ، والشّنف في الأذن ، ولو ألف غير ذلك التأليف فلم يجعل كل شيء في موضعه ، بطل ذلك الحسن ، وزال ذلك الرونق ، فلو جعل الإكليل في موضع الخلخال من الرّجل ، لم يكن حسنا ، لعدم المطابقة لوضعه ، وهكذا لو جعل الطوق على الأذن ، لم يحصل المقصود به ، وهكذا حال الكلام إذا كان مؤلفا تأليفا بديعا ولم يقصد به مطابقة الغرض المطلوب ، لم يكن معدودا في البلاغة ، ولا كان فصيحا ، وكلام الله تعالى قد أحسن تأليفه كما ترى في ألفاظه ، فإنها معجبة رائقة في تأليفها ، ثم إنها قد قصد في حقها مطابقة الأغراض المقصودة ، بحيث لا تخالف ما قصدت به ، فهذا ما أردنا ذكره من إحراز القرآن لهذه اللطائف الراجعة إلى الألفاظ بتمامها وكمالها ، ولنورد مثالا من القرآن العظيم جامعا لما ذكرناه من الأوجه الأربعة وهو قوله تعالى :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
[ هود : 44 ] فانظر إلى مفردات أحرف هذه الآية ، ما أسلسها وأرقها ، وألطفها ، ثم في تأليفها ما أسهله على اللسان ، ثم انظر إلى مفردات ألفاظه ، ما أعذبها وأجراها على الألسنة من غير صعوبة ولا عسرة ، ثم انظر إلى تأليف مفرداتها ، كيف طابقت الغرض المقصود منها ، وسيقت على أتم سياق وأعجبه ، فلما كان من أمر الطوفان ما كان من تطبيقه للأرض ذات الطول والعرض ، وإذن الله بإهلاك قوم نوح به ، واقتضت الحكمة الإلهية إخراجه ومن معه من الفلك إلى الأرض ، ابتدأ بقوله
وَقِيلَ
إبهاما للقائل وإعظاما لأمره ، حيث بنى لما لم يسمّ فاعله ، تهويلا للأمر وإعظاما