تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤

الوجه الثاني في حسن تأليفها

وهي وإن حصلت على ما ذكرناه من كونها من حروف العربية ، فلا بد من كونها مؤلفة تأليفا يسهل النطق به ويرق على اللسان ويعذب ، فإذا تباعد المخرجان كان أحسن ما يكون وألطف ، وإذا تقارب المخرجان كان دون ذلك في الحسن كقولك . « أمر أب » فإن الهمزة من الحلق والباء والميم من الشفة ، فلا جرم كان حسنا بخلاف قولنا « هعخع » اسم شجر ، فإن تأليفه متنافر لما كانت المخارج متقاربة ، لأنها كلها من الحلق ، فلهذا صعب مخرجها على اللسان ، لما فيها من الثقل ، وهكذا قولنا « ملع » فإنها ركيكة التأليف لما كانت متقاربة المخارج ، فإن حروفها كلها من الفم والحلق ، لكن لما تقدم حرف الفم ثقلت ، فلو تقدم حرف الحلق كان حسنا ، فإذا قلبت تأليفها « بعلم وعمل » كان رقيقا خفيفا ، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه أنه لا بدّ من مراعاة أحوال الحروف المفردة ، من رقتها ولطافتها وأن تكون مألوفة مستعملة في اللغة العالية ، وأن يكون بريئا من الحروف النادرة المستهجنة ، نحو ما روى من كشكشة بنى تميم ، وهي إبدالهم من كاف المؤنث شينا ، فيقولون مررت بش قال شاعرهم :
فعيناش عيناها وجيدش جيدها * ولكنّ عظم الساق منش رقيق
وكسكسة بنى بكر ، وهي إلحاق كاف المؤنث سينا ، فيقولون مررت بكس ، والكشكشة في بنى تميم هي بالشين بثلاث من أعلاها ، والكسكسة بالسين ، وهي في بنى بكر ، ونحو الطّمطمانية في حمير وهي عدم الإبانة في الكلام والإفصاح فيه ، ونحو الغمغمة في قضاعة ، وهي اللّكنة في الكلام ، ونحو الفراتية في أهل العراق ، واللخلخانية فيهم ، وهما العجمة في الكلام ، وهذه كلها عاهات في الكلام ولكنة فيه ، وكتاب الله تعالى منزه عن هذه اللغات ، لبعدها عن الفصاحة وميلها عن الأحرف العربية ، وأنه لا بدّ من مراعاة حسن التأليف مع حسن الأحرف ورقتها ، فمتى حصل الأمران أعنى عذوبة الأحرف ورشاقة تأليفها ، كان الكلام في غاية الحسن والإعجاب ، فإذن لا بدّ لاعتبار كون الكلمة فصيحة من أمور ثلاثة ، أما أولا : فبأن تكون حروفها صافية الذوق في مخارجها ، لذيذة السماع طيبة المجرى على اللسان ، وأما ثانيا : فبأن تكون معتدلة في تأليفها ، بأن تكون ثلاثية ، لأن ما دونها لا يعد من الأسماء لنقصان وزنه ، أو فوق الثلاثي ، من الرباعي والخماسى ، وإن كانت مستعملة ، لكن الثلاثي أعدلها في الوزن ، وأخفها على الألسنة ، وأما ثالثا : فتكون
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 124 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي