تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣

الطريقة الثانية من جهة التفصيل

اعلم أنه لا مطمع لأحد من الخلق وإن عظم حاله في الإحاطة بجميع مزايا القرآن والاستيلاء على عجائبه ، وما اختص به من دقائق المعاني وكنوز الأسرار وعلو مرتبته في الفصاحة ، وكونه فائقا في البلاغة ، ومباينته لكلام فصحاء العرب ، وكل ذلك فيه دلالة على شرفه ، وأنه فائق على غيره من سائر الكلام كله بحيث لا يدانيه كلام ، ولكني أنبه من تلك الأسرار على أدناها مستعينا بالله تعالى ، مستمدا من فضله ، طالبا للإرشاد في كل مقصد ومراد ، وليس تخلو تلك المزية التي تميز بها حتى صار في أعلى ذروة الفصاحة ومقتعد صهوة البلاغة ، إما أن تكون راجعة إلى الألفاظ ، أو إلى المعاني ، فهاتان مرتبتان .

المرتبة الأولى في المزايا الراجعة إلى ألفاظه

تارة ترجع إلى مفردات الحروف ، وتارة إلى تأليفها من تلك الأحرف ، ومرة إلى مفردات الألفاظ ، ومرة إلى مركباتها ، فهذه أوجه أربعة لا بدّ من اعتبارها في كون اللفظ فصيحا ، وكلها حاصلة في القرآن على أتم وجه وأكمله .

الوجه الأول منها مفردات الأحرف ،

ولا بدّ من أن تكون مستعملة من هذه الأحرف التسعة والعشرين ، فإنها جميعا حروف العربية ، فلا يكون اللفظ الفصيح مؤتلفا إلا منها ، وما خرج عنها فقد يكون مستعملا ، وقد يكون مستهجنا ، فأما المستعمل فهو همزة بين بين ، وألف الإمالة ، والتفخيم نحو إمالة هدى وهاد ، ونحو الصلاة في التفخيم ، والنون الساكنة نحو عنك ، فإن هذه وإن كانت خارجة عن أحرف العربية التسعة والعشرين ، لكنها فصيحة مستعملة في كتاب الله تعالى ، وفي كل كلام فصيح ، وأما المستهجن فهو الطاء التي كالتاء في نحو « تالب » في « طالب » والظاء التي كالثاء نحو في « ثالم » في « ظالم » والفاء التي كالباء في نحو قولك « ضرف » في « ضرب » والجيم التي كالكاف في نحو « كابر » في مثل قولنا « جابر » إلى غير ذلك مما يكون خارجا عن اللغة الفصيحة ، فما هذا حاله لا يكون في الكلام الفصيح ، وإنما الغالب عليه لغة الأنباط والأعاجم والأكراد ، فما هذا حاله فكتاب الله تعالى مجنّب عنه لا يجوز دخوله فيه ، لما فيه من الركة والتواء اللسان ، فأما الجيم الذي أطبق من قوله :
جَعَلَ رَبُّكِ
[ مريم : 24 ] وفي نحو قوله :
وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا
[ التوبة : 97 ] فهي فصيحة مقروء بها في السبعة ، فما هذا حاله لا يجب تنزيه كتاب الله تعالى عنه .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 123 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي