تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وبلّده ، فإنه يكون لا محالة لغيره أقطع ، وعلى تحيرهم وإدهاشهم أقدر ، فهكذا حال القرآن إذ كان فائقا لكلام رسول الله وكلام أمير المؤمنين ، فهو لغيرهما بذلك أحق لعلو الرتبة ، وأعظم استبدادا بالفصاحة وأحوى لأسرار البلاغة .

المسلك الثالث

هو أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أيده الله بالقرآن وجعله له معجزة باقية على وجه الدهر لا تنقضى عجائبه ، ولا تخلق على كثرة الترداد جدّته . وقد عرضه على من كان في وقته من أهل الفصاحة من قريش وغيرهم ، فحيّر ألبابهم ، وأدهش أفهامهم ، وخرق قراطيس أسماعهم ، وما ذاك إلا لما تحققوا وعرفوا من بلوغه الغاية في فصاحته ، وإنافته على كل كلام في جزالته وبلاغته ، حتى قال الوليد بن المغيرة فيه ما قال حين جاء إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له أتل على يا محمد ما أنزل إليك ، فأسرع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ذلك طمعا في الانقياد ، فقرأ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ
إلى آخر حم السجدة ، فقال إن أعلاه لمورق ، وإن أسفله لمغدق ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، فما تيسر منهم إنسان ، ولا فاه لأحد منهم لسان ، إلى مماثلة شيء من أساليبه ، ولا إلى الإتيان بأقصر سورة من سوره ، وهذا يدلّك على أمرين ، أحدهما اختصاصه بما لا يقدرون عليه ولهذا أظهروا الإعجاب من نفوسهم ، وخرجوا بالاستطراف من ألسنتهم ، وثانيهما علمهم بالعجز واعترافهم بالقصور ، فهذا ما أردنا ذكره من الدلالة على كونه بالغا أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة من جهة الإجمال ، والله تعالى أعلم بالصواب .