للوحشى الغريب ، وبعدها عن الركيك المسترذل ، ألا ترى قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ
[ الشورى : 32 ] لم يقل الفلك لما في الجرى من الإشارة إلى باهر القدرة ، حيث أجراها بالريح ، وهي أرق الأشياء وألطفها ، فحركت ما هو أثقل الأمور وأعظمها في الجرم ، وقال :
فِي الْبَحْرِ
ولم يقل في الطّمطام ، ولا في العباب وإن كانت كلها من أسماء البحر ، لكون البحر أسهل وأسلس ، ثم قال :
كَالْأَعْلامِ
ولم يقل كالروابى ، ولا كالآكام ، إيثارا للأخف الملتذ به ، وعدولا عن الوحشي المستركّ ، وتارة يكون راجعا إلى المعاني لإغراقها في البلاغة ورسوخها في أصلها ، وسببها حسن النظم وجودة السبك ، فمن أجل ذلك يحصل قانون البلاغة ويبدو رونقها ، ولا شك أن ما هذا حاله قد حصل في القرآن على أتم وجه وأكمله ، وإن اعتاص عليك ما ذكرته من معرفة هذه الأسرار في كتاب الله تعالى ، ودق عليك تمييز بلاغة معانيه وفصاحة ألفاظه ، وصعب عليك معرفة حسن التأليف منه وعجيب انتظامه وجودة سياقه ، فاعمد إلى أفصح كلام تجده من غير القرآن ، وقابل به أدنى سورة من سورة أو آية من آياته في وعظ ، أو وعد ، أو وعيد ، من تمثيل أو استعارة ، أو تشبيه أو غير ذلك من أفانين الكلام وأساليبه ، فإنك إذا خلعت ربقة الهوى ، وسلبت عن نفسك رداء التعصب ، وجدت مصداق ما قلته من ذلك ، فهذا كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بعد كلام الله تعالى إلا كلامه ، وهو أفصح من غيره من سائر الكلام ، فإذا قابلت قوله تعالى :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 )
[ العنكبوت : 64 ] بقوله عليه السلام ، « كأن الموت فيها على غيرنا كتب ، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب ، وكأن الذي نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون » فها هما قد اتفقا على وصف معنى واحد ، وهو الموت والعود إلى الآخرة ، وتصرّم الدنيا وانقضاء أحوالها وطيّها ، والورود إلى الآخرة ، ولكن القرآن متميز في تحصيل هذا المعنى وتأديته ، تمييزا لا يدرك بقياس ، ولا يعتوره التباس ، وإذا كان القرآن فائقا على كلام الرسول وكلام أمير المؤمنين ، مع أنهما النهاية في البلاغة والفصاحة فهو لغيرهما أفوق ، وعلوه عليها أبلغ وأحق ، وهذه طريقة مرضية في الدلالة على فصاحة القرآن ، ويتضح ذلك بمثال ، وهو أن أهل بلد لو كانوا أربعين ، فأرادوا مناظرة رجل واحد فاختاروا من أولئك الأربعين أربعة من كل عشرة واحدا ، ثم اختاروا من تلك الأربعة رجلا واحدا ، فناظر ذلك العالم ، ثم إن ذلك العالم استطال عليه وقطعه وحده