تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 165 )
[ الأنعام : 165 ] وبما كان من إظهار الجلال والعظمة في خاتمة سورة المائدة ، فهذه الخواتيم كلها في كل سورة على نهاية الحسن والرشاقة ، وهكذا الكلام في كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في كتبه ومواعظه وخطبه ، فإنك ترى خواتيمها معجبة لما تضمنته ، ونحو هذا كلام أمير المؤمنين في كتبه ومواعظه وهذا كقوله عليه السلام في ذم الدنيا ، وغدرها بأهلها ، وذهابها عن أيديهم ، وعدم التمسك بها « ولات حين مناص ، هيهات هيهات ، قد فات ما فات وذهب ما ذهب » ثم ختمها بآية من القرآن مناسبة لها وهي قوله تعالى :
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 )
[ الدخان : 29 ] إلى غير ذلك من الخواتيم الحسنة في خطبه وكلامه ، فهذا ما أردنا ذكره من أمثلة المنثور . المثال الثاني : من المنظوم فمن أحسن ما قيل في ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبي
قد شرّف الله أرضا أنت ساكنها * وشرّف الناس إذ سوّاك إنسانا « 1 »
فهذه الخاتمة إذ قرعت سمع السامع عرف بها أن لا مطمع وراءها ، ولا غاية بعدها ، وهي الغاية المقصودة ، والبغية المطلوبة ، وبها يعلم انتهاء الكلام وقطعه ، كقول أبى نواس يمدح المأمون :
فبقيت للعلم الذي تهدى له * وتقاعست عن يومك الأيّام « 2 »
فانظر إلى حسن هذه الخاتمة كيف تضمنت الدعاء بالبقاء مع نهاية المدح والإعظام لحاله ، وغاية حسن الخاتمة أن يعرف السامع انقضاء القصيدة وكمالها ، فهذه علامة حسنها ورونقها ، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء يمدح رجلا استماحه :
وإني جدير إن بلغتك بالمنى * وأنت بما أمّلت منك جدير فإن تولنى منك الجميل فأهله * وإلّا فإني عاذر وشكور « 3 »
ومن ذلك ما قاله أبو تمام يذكر فتح عمورية ويهنئ المعتصم بها :
إن كان بين صروف الدهر من رحم * موصولة أو ذمام غير مقتضب فبين أيّامك اللاتي نصرت بها * وبين أيّام بدر أقرب النّسب
هامش
( 1 ) انظر المصباح ص 273 . ( 2 ) انظر المصباح ص 273 . ( 3 ) انظر المصباح ص 273 .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 105 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي