تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤

الصنف الرابع والثلاثون في الاختتام

اعلم أنا قد قدّمنا في فواتح الكلام ومبادئه وذكرنا ما يتعلق بالتخلصات ، والذي نذكره الآن إنما هو كلام في حسن الخاتمة ، فينبغي لكل بليغ أن يختتم كلامه في أي مقصد كان بأحسن الخواتم فإنها آخر ما يبقى على الأسماع ، وربما حفظت من بين سائر الكلام لقرب العهد بها ، فلا جرم وقع الاجتهاد في رشاقتها وحلاوتها ، وفي قوتها وجزالتها ، وينبغي تضمينها معنى تاما يؤذن السامع بأنه الغاية والمقصد والنهاية ، ولهذا قال عليه السلام : « ملاك العمل خواتمه » ، وفي حديث آخر : « ألا إنما الأعمال بخواتيمها » ، وفي حديث آخر : « لا تعجبوا بعمل أحد حتى تدروا بم يختم له » « 1 » ، فالخاتمة في كل شيء هي العمدة في محاسنه ، والغاية في كماله ، فأما المتقدمون من الشعراء كامرئ القيس ، والنابغة ، وطرفة ، وغيرهم من شعراء الجاهلية فليس لهم فيه كل الإجادة ، وإنما الذي أجاد فيه المتأخرون ، كأبى نواس ، والمتنبي ، والبحتري ، وأبى تمام ، ولنضرب في ذلك أمثلة : المثال الأول : من آي التنزيل فإن الله تعالى ختم كل سورة من سوره بأحسن ختام ، وأتمها بأعجب إتمام ، ختاما يطابق مقصدها ، ويؤدى معناها ، من أدعية ، أو وعد أو وعيد ، أو موعظة أو تحميد ، أو غير ذلك من الخواتيم الرائقة ، ألا ترى إلى ما ختم به سورة البقرة وسورة الفاتحة ، فأما الفاتحة فختمها بما يناسب معناها ويطابق لفظها ، من حسن التأليف وجودة الجزالة بذكر الصنفين المغضوب عليهم من اليهود والنصارى ، وأن لا يجعلنا منهما ، ويتم لنا هدايته الكاملة ، إلى حججه الواضحة ، وبراهينه النيّرة ، واختتم سورة البقرة بتعليم الابتهال إليه في مغفرة الخطايا وترك تحمل الأثقال والإصر والنصرة على الكفار ، ونحو اختتام سورة آل عمران بالخواتيم الحسنة من الوصايا بالصبر على المكاره ، والمصابرة على الجهاد لأعداء الله ، وإشادة معالم الدين وإظهار أحكامه ، والرابطة للخيل في الجهاد وإعدادها للغزو ، وبالتقوى التي هي قوام الدين وملاكه ، فمن أجل ذلك يحصل السبب في الفلاح في كل الأمور ، وفي خاتمة سورة النساء بالتبجيل والتعظيم بالبيان والهداية ، وبما كان من الوعد ، والوعيد في خاتمة سورة الأنعام بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ
هامش
( 1 ) صحيح : أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة ، وانظر صحيح الجامع ح ( 7366 ) ، والصحيحة ( 1334 ) .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 104 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي