وإذا جلست إلى المدام وشربها * فاجعل حديثك كلّه في الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكن * لله ذاك النزع لا للنّاس
وإذا أردت مديح قوم لم تلم * في مدحهم فامدح بنى العبّاس « 1 »
فقاتله الله ، ما أرق كلامه ، وما أعجب ما جاء به من النسيب وحسن التخلص ، فكأن ما جاء به رحيق مفلفل ، أو نهر جار تسلسل ، ومما جاء من التخلص الحسن في بيتين قول أبى الطيب المتنبي :
مرّت بنا بين تربيها فقلت لها * من أين جانس هذا الشّادن العربا
فاستضحكت ثمّ قالت « كالمغيث » يرى * ليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا « 2 »
ويكثر وجوده في أشعار المتأخرين ، كالمتنبى وأبى تمام والبحتري ، ويعز وجوده في قصائد المتقدمين أعنى التخلص القصير ، فأما التخلصات الطويلة فلا بد لكل مادح منها وإن وجدت على تطويل في القصائد الطوال ، وإنما البراعة ما وجد من التخلص الرائق في الكلام القصير كما أشرنا إليه والله أعلم ، ومن نفيس ما يذكر في التخلصات ما قاله أبو الطيب المتنبي أيضا :
أقبلتها غرر الجياد كأنما * أيدي بنى عمر ان في جبهاتها « 3 »
فهذا من أعجب ما يذكر من الخلاص من النسيب إلى المديح في أخصر لفظ وأقصره ، وهو من بدائعه الحسنة ، وعجائبه المستحسنة التي فاق بها على نظرائه ، من أبناء زمانه ، وتميز بها من بين أترابه وأقرانه ، ومن رقيق التخلص ودقيقه ما قاله ابن الرومي يمدح رجلا بالكرم :
ما من مزيد في بليّة عاشق * ونديّ وجود في أبي إسحاق
فهذا وما شاكله من مليح ما يذكر في التخلصات القصيرة ويورد في أمثلتها .
هامش
( 1 ) انظر المصباح ص 271 ، ص 272 .
( 2 ) انظر المصباح ص 272 .
( 3 ) انظر ديوانه ج 1 ص 231 .