وكان أبو دلامة خليعا ما جنا « 1 » ، وكان يهرب منه ، ويأتي حانات الخمارين ، فيشرب مع إخوانه ، ويكره مجالس الخلفاء لما في ذلك من المشقة والتعب وشدة التّوقّي « 2 » .
وكان أبو دلامة يحب أن ينبسط ويتكلم ، وكان لا يتهيأ ذلك له في مجلس الخلافة ، فهرب ، فعاتبه أبو العبّاس على ذلك وقال : ويحك ، أراك تحيد عنّا « 3 » وعن مجالسنا ، وتهرب منّا . فليت شعري لم ذاك ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين ، ما الخير والشرف والعزّ والفضل إلا في مجالستك ، والوقوف على أبوابكم ، ولزوم خدمتكم ، ونكره مع ذلك أن تملّونا ، فنقبض « 4 » أنفسنا بعض القبض ، ليكون أبقى لحالنا عندكم .
قال أبو العبّاس : ما مللتك قطّ ، وما ذاك كما ذكرت ، ولكن قد اعتدت حانات الخمارين والخلعاء والمجّان . ثم وكّل به ، وألزمه ألّا يبرح حضرته ، وكان يصلي معه الصلوات كلها ، فأضرّ ذلك به .
ففي ذلك يقول أبو دلامة :
ألم تعلمي أنّ الخليفة لزّني * بمسجده والقصر ، ما لي وللقصر « 5 »
أصلّي به الأولى مع العصر دائبا * فويلي من الأولى وويلي من العصر
ويحبسني عن مجلس أستلذّه * أعلّل فيه بالسماع وبالخمر « 6 »
وو اللّه ما بي نيّة في صلاته * ولا البرّ والإحسان والخير من أمري
وما ضرّه واللّه يصلح أمره * لو أنّ ذنوب العالمين على ظهري « 7 »
فلما سمع أبو العبّاس الأبيات قال : واللّه ما يفلح هذا أبدا ، فذروه « 8 » وأصحابه .
ومن شعر أبي دلامة يهجو عليّ بن صالح وقد كان وعده شيئا ولم يوف له به .
لعلّي بن صالح بن عليّ * حسب لو يعينه بسماح « 9 »
هامش
( 1 ) الخليع : الملازم للقمار - الماجن : الكثير المزاح والقليل الحياء .
( 2 ) التوقّي : الحذر .
( 3 ) تحيد عنا : تتجنّبنا .
( 4 ) قبض نفسه عن القوم : أمسك عنهم وهجرهم .
( 5 ) لزّني بمسجده : ألزمني إياه .
( 6 ) أعلّل : أداوي - السماع : الغناء .
( 7 ) وما ضرّه : أي وما يضرّه .
( 8 ) ذروه وأصحابه : اتركوه وإيّاهم .
( 9 ) الحسب : شرف الأصل - السماح : السماحة أي الجود .