فأجابه روح - وكان شاعرا أديبا بطلا شجاعا هزبرا « 1 » ليثا - :
هوّن عليك فلن أريدك في وغى * لتطاعن وتناوش وضراب « 2 »
كن واقفا في الجيش آخر آخر * فإن انهزمت مضيت في الهرّاب « 3 »
حدّثني محمد بن الصلت الكوفي قال : اختصم أبو دلامة مع رجل إلى عافية قاضي أبي جعفر المنصور ، فادّعى الرجل عليه ، فقال له القاضي : ما تقول ؟ قال :
اسمع أولا ، وأنشأ يقول :
لقد خاصمتني دهاة الرّجال * وخاصمتها سنّة وافية « 4 »
فما أدحض اللّه لي حجّة * ولا خيّب اللّه لي قافية « 5 »
فمن خفت من جوره في القضاء * فلست أخافك يا عافية « 6 »
فغضب وقال : لأشكونّك إلى أمير المؤمنين . قال أبو دلامة : ولم تشكوني ؟
قال : لأنك هجوتني . قال : إذن واللّه يعزلك . قال عافية : ولم يعزلني ؟ قال : لأنك لا تعرف المدح من الهجاء .
قال : ومدح أبو دلامة المهديّ ، فلما أنشده سرّ بذلك وقال : سل حاجتك فقال له : يا أمير المؤمنين تأمر لي بكلب صيد ، قال المهدي : يا ابن الحمقاء وما تصنع بكلب ؟ وأيّة حاجة هذه ؟
قال : يا أمير المؤمنين ، « الحاجة لي أم لك ؟
قال : بل لك . قال : فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد . فأمر له بكلب .
فقال : يا أمير المؤمنين وإن تهيأ لي « 7 » أن أخرج إلى الصيد أفأخرج راجلا « 8 » ؟ فأمر له بدابة .
هامش
( 1 ) الهزبر والليث : من أسماء الأسد .
( 2 ) الوغى : الحرب - التطاعن : تبادل الطعن بالرمح - التناوش : منازلة العدو - الضراب : الضرب بالسيف .
( 3 ) الهرّاب : الهاربون .
( 4 ) الدهاة : جمع الدّاهي وهو الرجل ذو الدّهاء والدّهاء جودة الرأي والحذف ، والدّهاء أيضا المكر والاحتيال .
( 5 ) أدحض حجّته : أبطلها - خيّب : أفشل .
( 6 ) - القافية : كناية عن الشعر أو القصيدة .
( 7 ) تهيّأ له الأمر : سنح له .
( 8 ) راجلا : ماشيا دون ركوبة .