قال : ومن يسوس « 1 » الدابة ؟ قال : أعطوه سائسا .
قال : فمن يطبخ لنا صيدنا ؟ قال : أعطوه طبّاخا .
قال : وهؤلاء كلهم من يعولهم ؟ قال : اكتبوا له بمائتي جريب « 2 » عامرة ، ومائتي جريب غامرة « 3 » .
قال : فما الغامرة يا أمير المؤمنين ؟ قال : التي لا شيء فيها ، قال : فأنا أكتب لأمير المؤمنين بمائة ألف جريب من صحراء مزيقيا .
قال : فمن أين تريد أجعلها لك ؟ قال : هب لي جريبا واحدا من بيت المال .
قال : على ألّا تخرج ما فيه « 4 » . قال : إذن يكون غامرا .
فضحك منه وقال : قد جعلناها لك عامرة كلّها ، قال : يا أمير المؤمنين ناولني يدك أقبّلها . قال : أما هذه فدعها . قال : واللّه ما منعت عيالي شيئا هو أهون عليهم من هذا . فضحك منه حتى استلقى .
وحدث أبو مالك عبيد اللّه « 5 » بن محمد عن أبيه قال : أنشد أبو دلامة أبا جعفر المنصور شعرا استحسنه جدا ، فجعل من عنده من ندمانه يظهرون استحسانه ، فلما أفرطوا قال أبو دلامة : واللّه يا أمير المؤمنين إنهم لا يعرفون رديئه من جيّده ، وإنما يستحسن منه باستحسانك ، وإن شئت بينت لك ذلك ، قال :
افعل . فأنشده :
أنعت مهرا كاملا في قدره * مركّبا عجانه في ظهره « 6 »
حتى فرغ منها ، فاستحسنوها ، فقال أبو دلامة : ألم أخبرك يا أمير المؤمنين ؟ قال المنصور : صدق واللّه أبو دلامة ، كيف يكون عجانه في ظهره ؟
قال الحنفيّ : خرج أبو دلامة مع المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد - وكان أبو دلامة صاحب نوادر - فرمى المهديّ بنشّابة فأصاب ظبيا . ورمى عليّ بن سليمان فأصاب كلب صيد . فضحك المهديّ فنطر إلى أبي دلامة فقال : قد وجدت مقالا فقل ولك حكمك . فقال :
هامش
( 1 ) يسوس الدّابة : يقوم عليها وساس القوم تولّى أمرهم .
( 2 ) الجريب : مساحة مقدارها ثلاثة آلاف وستمائة ذراع .
( 3 ) الغامرة : نقيض العامرة أي الأرض الخراب أو الكثيرة الماء التي لا يمكن زراعتها .
( 4 ) ما فيه : وفي رواية : ما فيها .
( 5 ) عبيد اللّه : وفي رواية : عبد اللّه .
( 6 ) العجان : العنق والاست والقضيب الذي يمتد من الخصية إلى الدبر .