فقال موسى : ألقوه عن المحمل لعنه اللّه حتى يذهب حيث شاء ، فألقوه عن المحمل ومضى لوجهه .
فما زال أبو دلامة في السواد « 1 » حتى أتلف ذلك المال ؛ وانصرف موسى .
فدخل أبو دلامة عليه مهنئا فقال له : يا محارف « 2 » ما ذا فاتك من تلك المشاهد ؟
فقال : يا سيدي ، واللّه ما فاتني أفاضلها ، يعني الحانات .
حدّثني ابن داود قال : حدّثني العوفي قال : دخل أبو دلامة على المهدي وعنده عيسى بن موسى والعبّاس بن محمد وناس من بني هاشم ، فقال له المهدي :
اهج أيّنا شئت . فنظر إلى القوم وتصفحهم ، فكلما مرّ نظره إلى رجل غمز بعينه :
إني على رضاك ولا تفعل . فمكث هنيهة ثم أنشأ يقول :
ألا أبلغ لديك أبا دلامة * فلست من الكرام ولا كرامه
جمعت دمامة وجمعت لؤما * كذاك اللّؤم تتبعه الدّمامه « 3 »
فإن تك يا عليج أصبت مالا * فيوشك أن تقوم بك القيامة « 4 »
إذا لبس العمامة قلت قرد * وخنزير إذا وضع العمامه
فضحك المهديّ وتعجب من حسن ما أتى به من التخلص مما كان دفع إليه ، فلم يبق أحد في القوم إلا وصله وأهدى إليه .
وخرج أبو دلامة مع روح بن حاتم في بعض الحروب ، فلما التقى الجمعان قال أبو دلامة : لو أنّ تحتي فرسا من خيلك ، وفي وسطي ألف دينار ، لأشجيت عدوّك نجدة وإقداما « 5 » . قال روح : ادفعوا إليه ذلك . فلما أخذه أنشأ يقول :
إني أعوذ بروح أن يقدّمني * إلى القتال فتشقى بي بنو أسد « 6 »
إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم * ولم أرث نجدة في الحرب عن أحد « 7 »
هامش
( 1 ) السّواد : ما حول البلدة من الريف والقرى ، وسواد العراق ما بين البصرة والكوفة .
( 2 ) محارف : المحروم وهو خلاف المبارك .
( 3 ) الدمامة : القبح .
( 4 ) عليج : تصغير علج والعلج العير وفي رواية : فإنّك يا عليج في موضع : فإن تك يا عليج - أصاب المال : أحرزه ، ناله .
( 5 ) النجدة : الشجاعة والبأس - الإقدام : الجرأة والتصدّي للعدوّ .
( 6 ) قدّمه إلى القتال : جعله في الطليعة .
( 7 ) المهلّب : أي المهلّب بن أبي صفرة - أورثكم : جعل لكم ميراثا أو أكسبكم .