وحدّثني محمد بن خالد البصري قال : حدّثني ابن أبي العوجاء قال : أراد موسى ابن داود بن علي بن عبد اللّه بن عبّاس الخروج إلى الحج ، فدعا أبا دلامة وقال :
تأهّب « 1 » للخروج معي إلى هذا الوجه المبارك ، فإنما هو الحج . وأعطاه عشرة آلاف درهم وقال : إن كان عليك دين فاقضه وخلّف « 2 » لعيالك ما يكفيهم واخرج - وكان طمع في أن يعادله فيتمتع بفوائده وملحه ونوادره ، فإنه كان من أتراب « 3 » الملوك - فأخذ المال وأجابه إلى ذلك ، فلما حضر خروج موسى طلبه فلم يقدر عليه ، ففتش عن أمره ، فقيل له : إنه بسواد الكوفة يتقلب « 4 » في حانات الخمّارين ، وخاف موسى أن يفوته الحج فقال : اتركوه إلى لعنة اللّه ، وخرج .
فلما شارف القادسيّة إذا هو بأبي دلامة قد خرج من قرية يريد الحيرة « 5 » . فقال :
ائتوني بعدوّ اللّه الفاسق ، هرب من الحق إلى الباطل ، ومن الحج إلى حانات الخمّارين ، فجيء به إليه ، فقيّده وألقاه في بعض المحامل « 6 » ، وساروا ، فلما رأى أبو دلامة ذلك أنشأ يقول :
يا أيّها الناس قولوا أجمعين معا * صلّى الإله على موسى بن داود
كأن ديباجتي خدّيه من ذهب * إذا تشرّف في أثوابه السود « 7 »
أمّا أبوك فعين الجود نعرفه * وأنت أشبه خلق اللّه بالجود « 8 »
نبّئت أنّ طريق الحج معطشة * من الطّلاء وما شربي بتصريد « 9 »
واللّه ما بي من خير فتطلبني * في المسلمين وما ديني بمحمود
إني أعوذ بداود وتربته * من أن أحجّ بكرة يا ابن داود
هامش
( 1 ) تأهّب للخروج : أي استعدّ لمرافقتي .
( 2 ) خلّف لعيالك ما يكفيهم : أترك لهم حاجتهم من المال .
( 3 ) الأتراب : جمع ترب وهو الذي ولد معك .
( 4 ) يتقلّب في الحانات : يتنقّل بينها .
( 5 ) الحيرة : بلدة تقع جنوبي الكوفة كانت قديما قصبة ملوك بني لخم . وأهل الحيرة من النصارى . فتحت صلحا على يد خالد بن الوليد سنة 12 ه ( 633 م ) .
( 6 ) المحامل ) جمع محمل وهو ما يحمل فيه ، الهودج .
( 7 ) الديباجة : الوجه وديباجة الوجه حسن البشرة ، والديباجتان الخدّان .
( 8 ) عين الشيء : ذاته وجوهره .
( 9 ) المعطشة : الأرض التي لا ماء فيها - الطّلاء : كناية عن الخمر والطّلاء القطران - التّصريد :
الإقلال في الشرب ، يقال : صرّده أي سقاه دون الريّ .