لا توجد الغرة منه وإن * هيج به هيج بمنصاع « 1 »
أشوس ينضو الدرع عن منكب * مثل سنان الرّمح شعشاع « 2 »
كما ترى أفطح ذا رقطة * تنجاب عن هبوة القاع « 3 »
فاجتمعت الشعراء والأدباء على أن هذه الأبيات ليست من نمط عصره ، وأن أحدا لا يطمع في مثلها .
ولعمري إنه لكلام مع فصاحته وقوّته يقدّر من يسمعه أنه سيأتي بمثله ، فإذا رامه وجده أبعد من الثريّا ، وكذلك الشعر المتناهي « 4 » الذي ليس قبله في الجودة غاية .
وقد سئل بعض العلماء فقيل له : ما الشعر عندك ؟ قال : السهل الممتنع .
وللحارثي قصيدة يرثي فيها أخاه سعد بن عبد الرحيم ليست بدون قصيدة متمّم التي يرثي بها أخاه مالكا وهي على رويّ تلك ، يقول فيها :
فما أمّ خشف أودعته قرارة * من الأرض وانساحت لترعى وتهجعا « 5 »
خليس كلون الأيهقان ابن ليلة * أمرّ قواه أن ينوء فيركعا « 6 »
ويهتز في الممشى القريب كأنه * قضيب من البان التوى فترعرعا « 7 »
فظلّت بمستنّ الصّبا من أمامه * تنغّم في المرعى إليه ليسمعا « 8 »
إذا أغفلت نادت وإن ناب نبأة * على سمعها تذكر طلاها فتربعا « 9 »
هامش
( 1 ) الغرّة : الغفلة - لا توجد : وقيل لا تؤخذ وهذا أكثر ملاءمة للمعنى - هيج به : أثير - المنصاع :
الذي يرجع سريعا .
( 2 ) الأشوس : الشديد والجريء - ينضو : يخلع أو ينزع - المنكب : الكتف - الشعشاع : الطويل .
( 3 ) أفطح : الأفطح : ذو الرأس العريض - الرقطة : سواد تشوبه نقط بياض - تنجاب عنه : تنكشف عنه - الهبوة : الغبرة .
( 4 ) الشعر المتناهي : أي الشعر البالغ الجودة .
( 5 ) الخشف : ولد الظبي - انساحت : اندفعت .
( 6 ) الخليس : الأحمر ، أو الأبيض إذا خالطه سواد - الأيهقان : ضرب من النبت طويل الساق يزهر وردة - أمرّ : أقوى - ناء ينوء ( بالحمل ) : نهض به مثقلا .
( 7 ) البان : شجر معتدل يشبّه به القوام - التوى : انثنى - ترعرع : تحرك وشبّ .
( 8 ) مستن الصبا : موضع جريانها ، والصّبا : ريح تهبّ من الشرق .
( 9 ) ناب نبأة : صوّت والنّبأة الصوت غير الشديد - طلاها : ولدها والطلى ولد الظبي - تربع :
تتوقف .