ومن جيّد شعره وإن كان كل شعره جيدا :
أتى دون حلو الوعد من تكتم المطل * وأيّ هوّى يبقى إذا لم يكن بذل « 1 »
فقالت وأبدى الوجد ما دون صدرها * فلم يبق باب دون سرّ ولا قفل
أأشعرت بي أهلي عشيّة زرتنا * جهارا ، وما عذرى وقد شعر الأهل « 2 »
فقلت فذا قد كان ما ليس راجعا * فهل عندكم إلا التحفّظ والعذل « 3 »
فقالت وما أزرى بنا من تحفظ * علينا وقولي في عواقبه الذّحل « 4 »
فقلت لها ما زرتكم قاصدا لكم * وإن كان ما في الناس لي ولكم مثل « 5 »
وما جئتكم عمدا ولكنّ ذا الهوى * إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرّجل
والحارثي هو القائل :
ولا يستخصّ القدر من دون جاره * ليشبع والجيران يمشون جوّعا
أناف - بإبقاء على العرض - ماله * فأنجح إذ أكدى البخيل وأوضعا « 6 »
له راحة فيها الحبا لصديقه * وأخرى لمن عادى بها السمّ منقعا « 7 »
أجلّ عن العور الهواجر سمعه * ونزّهه عن أن يقال فيسمعا « 8 »
إذا نال من أقصى عرا المجد غاية * سما طالبا من تلك أسنى وأرفعا « 9 »
هذا البيت سجدة للشعراء ، ولو لم يكن في كتابنا إلّا شعر الحارثي لكان جليلا .
هامش
( 1 ) البذل : العطاء والتضحية .
( 2 ) أأشعرت : وفي رواية أشعرت .
( 3 ) التحفّظ : الاحتراس - العذل : اللوم ، وفي رواية : العدل والصواب ما أثبت .
( 4 ) أزرى بنا : عابنا ووضع من حقّنا - الذّحل : الثأر .
( 5 ) وفي مختصر الطبقات : عندي لكم مثل .
( 6 ) أناف : زاد - أكدى : بخل في العطاء .
( 7 ) الراحة : باطن الكف - الحبا : العطاء .
( 8 ) الهواجر : الكلام القبيح .
( 9 ) عرا المجد : العرى : جمع عروة وهي هنا الشيء النفيس وما يوثق به وفي رواية : ذرا المجد .