كلانا غنيّ عن أخيه حياته * ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
وأدليت دلوى في دلاء كثيرة * فأبن ملاء غير دلوي كما هيا « 1 »
وممّا سار له « 2 » في الدنيا قوله في وصف الناقة ، وقد أفرط وتجاوز الحد في بيته هذا :
هي الرّيح إمّا خلتها غير أنها * تبيت غوادي الريح حيث تقيل « 3 »
وهو القائل أيضا :
لقد سامني طرفي وقد ضرّ نفسه * وأظهر ما أكننت بين الجوانح « 4 »
فلم أستطع سيرا لما بي من الهوى * ولم يخف ما أضمرت والقلب فاضحي « 5 »
فيا بؤس من تنأى عن الإلف داره * ويا بؤس من في القلب كالمتنازح « 6 »
وأزداد شوقا حين أدنو توحّشا * لغاد بوشك البين منك ورائح « 7 »
وكان أبو الحجناء يجيد الغزل والمدح والهجو والوصف ، ولا يقصر في شيء من ذلك . وهو مخصوص ببني برمك . كانوا يتبجّحون « 8 » به ويقدّمونه ، واشترى له الفضل دارا تقارب داره بألف دينار . واشترى له ضيعة تغلّ غلّة كثيرة ، وكانوا يجرون عليه « 9 » ويعاشرونه . وكذا كانت عادة آل برمك فيمن يتصل بهم رحمهم اللّه فما خلفوا بعدهم من شقّ غبارهم « 10 » في الجود والكرم والبر والعطاء والإحسان .
توفي بعد التسعين والمائة « 11 » .
هامش
( 1 ) وورد أيضا في عيون الأخبار بعد هذا البيت ، البيت التالي منسوبا إلى جرير :وأنت أخي ما لم تكن لي حاجة * وإن نزلت أيقنت أن لا أخا ليا( 2 ) سار له : اكتسب سيرورة أي شهرة .
( 3 ) إمّا خلتها : وفي رواية إلا خلتها .
( 4 ) سامني : كلفني - الطرف : العين - أكننت : أخفيت وسترت - الجوانح : الأضلاع ، جمع جانحة .
( 5 ) وفي رواية : لم أستطع صبرا .
( 6 ) تنأى داره : تبعد - المتنازح : المتباعد من تنازح .
( 7 ) توحّشا : وفي رواية توجّسا - البين : الفراق - الوشك : المسرعة ، ووشك البين : قرب حدوثه أو سرعة حدوثه .
( 8 ) تبجّح : افتخر ، وفي رواية : ينتحجون في موضع يتبجّحون .
( 9 ) يجرون عليه ( الرزق ) : يفيضونه .
( 10 ) شقّ غبارهم : لحق بهم .
( 11 ) الموافقة سنة 805 م .