الرشيد فدخل عليه ، وكان عمّ أبيه ، وقد كان همّ « 1 » الرشيد أن يتزوج ابنته ، وكان له مكرما مبجّلا ، فرأى الرشيد التغيّر في وجهه فقال : يا عم ، ما شأنك ؟ قال : يا أمير المؤمنين هذا ربيعة الرّقي قد هجاني فقال الرشيد : ويلي على ابن اللّخناء « 2 » ، يهجو عمي وأعزّ الناس عليّ ؟ وأمر بإحضاره ، فأحضر والرشيد يتميّز غيظا عليه ، فقال له : يا ابن اللخناء أعليّ تجترئ ؟ لقد كان إذن ضرب عنقك . فقال : يا أمير المؤمنين اسمع قصتي معه ، فإن وجدت عذرا وإلا فافعل ما هممت به وأنت من دمي في حلّ وسعة ، ثم أنشده مدحته فيه وقال : يا أمير المؤمنين كيف تراها ؟ قال : ما مدح الخلفاء بمثلها حسنا .
فقال : يا أمير المؤمنين إنه وصلني عنها بدينارين ، فوهبتهما لرسوله وكتبت إليه البيتين .
فلما سمع الرشيد ذلك خجل وأطرق « 3 » ، وأحب أن يتأمل القصيدة فقال :
ائتني بها . فاستحى العبّاس وعلم أنه قد أخطأ ، فقال له الرشيد : سألتك بحقّي إلا جئتني بها ، فأمر غلامه بحملها إليه فتأمّلها وأعجب بها وقال للعباس : أحقا أنك أثبته « 4 » عليها بدينارين ؟ فسكت ، فقال لربيعة : ويحك يا رقيّ أصدقني . فقال : يا أمير المؤمنين وحياتك إنه وصلني بدينارين وإني وهبتهما لغلامه . فنظر إلى العبّاس نظرا منكرا وقال : سوءا لك فضحت نفسك وأسلافك . فاستحيا العباس ولم يحر جوابا « 5 » . فأمر الرشيد لربيعة بثلاثين ألف درهم ، وجعله نديما ، وخلع عليه « 6 » فأعطاه حلّتين ، فلما أراد الخروج قال له : يا ربيعة . قال : لبّيك يا أمير المؤمنين .
قال : إيّاك أن تذكره بعدها في شعرك .
ومما سار له في الآفاق ، وصار مثلا ، قوله يمدح يزيد بن حاتم ويهجو يزيد بن أسلم « 7 » السّلمي :
لشتّان ما بين اليزيدين في النّدى * يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم « 8 »
هامش
( 1 ) همّ بالشيء : عزم عليه وقصده .
( 2 ) يا ابن اللخناء : من لخن لخنا أي أنتن وألخحن الرجل تكلّم بقبيح .
( 3 ) أطرق : أرخى عينيه ينظر إلى الأرض .
( 4 ) أثابه : كافأه .
( 5 ) لم يحر جوابا : لم يتكلم وظلّ ساكتا .
( 6 ) خلع عليه : منحه ، أعطاه منحة .
( 7 ) وفي رواية الأغاني ووفيات الأعيان والكامل للمبرد : أسيد في موضع يزيد .
( 8 ) في النّدى : في الجود والكرم - الأغرّ : السيد الشريف والكريم الأفعال .