فما زلت أبسطه مازحا * وأفرط في اللّهو حتّى ابتسم
وحكّمني الرّيم في نفسه * بشيء ولكنّه مكتتم
فقال : يا فاسق ، أظنّ ما ادّعيته في النوم وكان في اليقظة ؟ وأصلح الأشياء بنا أن نرحض العار عن أنفسنا بهبته لك ، فخذه لا بارك اللّه لك فيه ، فأخذته وانصرفت .
وقد تقدّم في هذا الكتاب من كلام الحسين ما يفوق به كلّ شاعر ، وهو القائل :
[ الطويل ]
أجرني فإنّي قد ظمئت إلى الوعد * متى ينجز الوعد المؤكّد بالعهد ! « 1 »
أعيذك من خلف الملوك وقد ترى * تقطّع أنفاسي عليك من الوجد
أيبخل فرد الحسن عنّي بنائل * قليل وقد أفردته بهوى فرد !
وهذا منتهى ما أوردته للحسين من العجائب .
دخل عليّ بن الجهم على عبد اللّه بن طاهر في غدوة الربيع ، وفي السماء غيم رقيق ، والمطر يجيء قليلا ، ويسكن قليلا ، فغاضبته جارية له ، فانتقض عزمه فخبّر ابن الجهم بذلك ، فأراد تنشيطه فدخل عليه فأنشده : [ البسيط ]
أما ترى اليوم ما أحلى شمائله * صحو وغيم وإبراق وإرعاد « 2 »
كأنه أنت يا من لا شبيه له * وصل وهجر وتقريب وإبعاد
فباكر الرّاح واشربها معتّقة * لم يدّخر مثلها كسرى ولا عاد
واشرب على الرّوض إذ لاحت زخارفه * زهر ونور وأوراق وأوراد
كأنما يومنا فعل الحبيب بنا * بذل وبخل وإبعاد وميعاد
وليس يذهب عني كلّ فعلكم * غيّ ورشد وإصلاح وإفساد
فاستحسنها وأمر له بثلاثمائة دينار وحمله وخلع عليه وقال علي أيضا : [ البسيط ]
الورد يضحك والأوتار تصطخب * والناي يندب أحيانا وينتحب « 3 »
والراح تعرض في يوم الربيع كما * تجلى العروس عليها الدرّ والذهب
وكلما انسكبت في الكأس آونة * حسبت أن شعاع الشّمس ينسكب
وقد مرّ من كلام ابن الجهم كلّ بديع ، في نظمه رفيع ، وآخر شعر قاله وهو أحسن ما قيل في معناه : [ المنسرح ]
هامش
( 1 ) ديوان ابن الضحاك ص 46 .
( 2 ) الأبيات في ديوان علي بن الجهم ص 122 .
( 3 ) ديوان ابن الجهم ص 105 .