تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
قال : فلمّا أثبت الجواب ، واستثبتّ منه الصّواب ، قال لي : أهلك واللّيل ، فشمّر الذّيل ، وبادر السّيل ، فقلت : إني بدار غربة ، وفي إيوائي أفضل قربة ، لا سيّما وقد أغدف جنح الظّلام ، وسبّح الرّعد في الغمام ، فقال : اغرب عافاك اللّه إلى حيث شيت ، ولا تطمع في أن تبيت ، فقلت . ولم ذاك ، مع خلوّ ذراك ؟ قال : لأنّي أنعمت النّظر ، في التقامك ما حضر ، حتّى لم تبق ولم تذر ، فرأيتك لا تنظر في مصلحتك ، ولا تراعي حفظ صحّتك ، ومن أمعن فيما أمعنت ، وتبطّن ما تبطّنت ، لم يكد يخلص من كظّة مدنفة ، أو هيضة متلفة ، فدعني باللّه كفافا ، واخرج عنّي ما دمت معافى ، فوالذي يحيي ويميت ، ما لك عندي مبيت . فلمّا سمعت أليّته ، وبلوت بليّته ، خرجت من بيته بالرّغم ، وتزوّد الغمّ ، تجودني السّماء ، وتخبط بي الظّلماء ، وتنبحني الكلاب ، وتتقاذف بي الأبواب ، حتّى ساقني إليك لطف القضاء ، فشكرا ليده البيضاء ! * * * قوله : « أثبت » صحّح . استثبتّ ، أي وجده ثابتا . أهلك والليل ، كلام للعرب ، كأنه قال : بادر أهلك قبل الليل ، وتحقيق المعنى في ذلك أنه عطف الليل على الأهل ، وجعلهما مبادرين ، ومعنى المبادرة مسابقتك الشيء ، كقولك : بادرت زيدا المنزل كأني سابقته إليه ، وكأنّ الليل والرجل المخاطب يتسابقان إلى أهل الرجل ، فأمره الآمر أن يسابق الليل إليهم ، ليكون عندهم قبل الليل . شمّر الذيل ، أي ارفع ساقك ، واستعدّ للمشي . إيوائي : ضمّي . قربة : ما يتقرّب به من أعمال البرّ . أغدف : أسبل وأرسل ، ومنه قول عنترة : [ الكامل ]
إن تغدفي دوني القناع فإنّني * طبّ بأخذ الفارس المتلثّم « 1 »
وإنما قيل للغراب غداف لسبوغ ريشه . وقال رؤبة يخاطب أخاه : [ الرجز ]
* نبّت من جناحك الغدافي * « 2 »
هامش
( 1 ) البيت لعنترة في ديوانه ص 205 ، ولسان العرب ( طبب ) ، ( قنع ) ، ( غدف ) ، ( لأم ) ، وتاج العروس ( طيب ) ، ( عذف ) ، وكتاب العين 4 / 394 ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 4 / 414 ، وجمهرة اللغة ص 669 . ( 2 ) يروى الرجز :خلقت من جناحك الغدافي * من القدامى لا من الخوافيوهو لرؤبة في ديوانه ص 100 ، ولسان العرب ( غدف ) ، ( قدم ) ، وتهذيب اللغة 8 / 76 ، 9 / 48 ، وتاج العروس ( غدف ) ، ( قدم ) ، وبلا نسبة في كتاب العين 4 / 394 .