تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
ومنهم سليمان بن عبد الملك ، ذكر المسعودي أن شبعه « 1 » كانت كل يوم مائة رطل بالعراقي ، وكان ربما أتاه الطبّاخون بسفافيد فيها الدجاج ، وعليه جبّة الوشي ، فبحرصه على الطعام ، كان يدخل يده في كمّه ثم يقبض على الدجاجة ، وهي حارّة فيفصلها . قال الأصمعيّ : ذكرت ذلك للرشيد ، فقال : قاتلك اللّه ! ما أعرفك بأخبارهم ! لقد كنت أرى الدّسم في أكمام جبابه ، ولا أدري ما سببه ، حتى حدّثتني . وكساني منها جبّة . وخرج يوما من الحمام وقد اشتد جوعه [ فاستعجل الطعام ولم يكن فرغ منه ] فأمر أن يقدّم ما لحق من الشواء ، ولم يكن فرغ من الطعام شيء ، فقدّم إليه عشرون خروفا ، فأكل أجوافها مع أربعين رقاقة ، ثم قدّم الطعام ، فأكل مع ندمائه كأنه لم يأكل . قال الشمردل وكيل عمرو بن العاص رضي اللّه عنه لما قدم سليمان الطائف ، دخل بستانيّ هو وعمر بن عبد العزيز ، وأيوب ابنه ، فجال في البستان ساعة ، ثم قال : ناهيك بمالكم هذا مالا ! ثم ألقى صدره على غصن شجرة ، وقال : ويلك يا شمردل ! عندك شيء تطعمني ؟ فقلت : بلى عندي جدّي ، كانت تغدو عليه بقرة وتروح [ عليه ] أخرى ، قال : عجّل به ويحك ! فأتيته به كأنه عكّة سمن ، فأكله وما دعا عمر ولا ابنه حتى إذا بقي الفخد قال : هلمّ أبا حفص ، قال : إني صائم ، فأتى عليه ، ثم قال : ويلك أعندك شيء ؟ فقلت : سبع دجاجات هنديات كأنهن رئلان النعام « 2 » ، قال : عجّل بهنّ ، فأتيته بهن ، فكان يأخذ برجل الدجاجة فيلقي عظامها بفيه ، فلمّا فرغ منهنّ قال : ويلك ! أعندك شيء ؟ فقلت : حريرة « 3 » كأنها قراضة ذهب ، فقال : عجّلها ، فأتيته بها ، فجعل يشربها شربا ، فلما فرغ تجشّأ فكأنما صاح في جبّ ، ثم قال : يا غلام أفرغت من غدائي ؟ قال : نعم فقدّم إليه ثمانين قدرا ، فأكثر ما أكل من قدر ثلاث لقمات ، وأقلّ ما أكل لقمة ، ثم مسح يده واستلقى على فراشه ، وأذن للناس ، وصفّت الموائد ، فأكل معهم فما أنكرت من أكله شيئا . وسبب وفاته أنّ نصرانيّا أتى بزنبيل مملوء بيضا ، وآخر مملوء تينا ، فقال : قشّروا ، فجعل يأكل بيضة وتينة ، حتى أكل الزّنبيلين ، ثم أتوه بقصعة مملوءة محا بسكّر ، فأكله فأتخم ، فمات . ومنهم عمرو بن معد يكرب ، دخل على عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : من أين أقبلت يا أبا ثور ؟ فقال : من عند سيّد بني مخزوم ، أعظمها هامة ، وأقلّها ملامة ، وأفضلها حلما ، وأقدمها سلما ، قال : من هو ؟ قال : سيف اللّه وسيف رسوله خالد بن الوليد ، قال : فأيّ شيء صنعت عنده ؟ قال : أتيته زائرا فدعا لي بقعب وفرس وثور ، فقال له عمر : وأبيك إن في هذا لشبعا ، قال : لي ولك ؟ قال : لي ولك ، قال :
هامش
( 1 ) شبعه من الطعام : أي ما يكفيه منه ليشبع . ( 2 ) رئلان النعام : أي فرخ النعام . ( 3 ) الحريرة : دقيق يطبخ بلبن وسمن .