المقامة الخامسة عشرة وهي الفرضيّة
أخبر الحارث بن همام قال : أرقت ذات ليلة حالكة الجلباب . هامية الرّباب ، ولا أرق صبّ طرد عن الباب ، ومني بصدّ الأحباب ، فلم تزل الأفكار يهجن همّي ، ويجلن في الوساوس وهمي ، حتى تمنّيت لمضض ماعانيت ، أن أرزق سميرا من الفضلاء ، ليقصّر طول ليلتي اللّيلاء ، فما انقضت منيتي ، ولا أغمضت مقلتي ، حتى قرع الباب قارع ، له صوت خاشع ، فقلت في نفسي : لعلّ غرس التّمنّي قد أثمر ، وليل الحظّ قد أقمر ، فنهضت إليه عجلان ، وقلت من الطارق الآن ! فقال : غريب أجنّة الليل ، وغشيه السّيل ، ويبتغي الإيواء لا غير ، وإذا أسحر قدّم السير .
* * * أرقت : سهرت ولم أنم ، وفي حديث زيد بن ثابت : شكوت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرقا أصابني ، فقال : « قل اللّهمّ غارت النجوم ، وهدأت العيون ، وأنت حي قيوم ، لا تأخذك سنة ولا نوم ، يا حي يا قيوم ، أهدئني ليلي ، وأنم عيني » . فقلتها فأذهب اللّه عنّي ما كنت أجده .
حالكة الجلباب : سوداء الثوب ، هامية الرّباب : سائلة السحاب ؛ يريد أن الليلة مظلمة ممطرة ، صبّ : عاشق . طرد : نفي . مني ابتلى . صدّ : هجر . الأفكار : أحاديث النفس . يهجن : يحرّكن . ويجلن : يصرفن والوساوس الفكر المقلقة ، وهمي : بالي وخاطري ، وقال ابن شهيد في نحو هذه الليلة : [ الكامل ]
ولربّ ليل للهموم تسدّلت * أستاره فمحا الضّيا بستوره
كالبحر يضرب موجه في موجه * صعب على العبّار وجه عبوره
طاولته من عزمتي بتصبّر * أثبتّ همّي في قرارة كوره
وبراحة من همتي ذو كرّة * عمدت تذاكرني بطبع ذكيره
فرد إذا انبعثت دياجي جنحه * هولا عليّ خبطت في ديجوره
حتى بدا عبد العزيز لناظري * أملي ، فمزّقت الدّجى عن نوره