تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
الجيوب ، حتى ماحها من دينه الامتياح ، وارتاح لرفدها من لم نخله يرتاح ، فلمّا افعوعم جيبها تبرا ، وأولاها كلّ منّا برّا ، تولّت يتلوها الأصاغر ، وفوها بالشّكر فاغر ، فاشرأبّت الجماعة بعد ممرّها ، إلى سبرها ، لتبلو مواقع برّها . فكفلت لهم باستنباط السّرّ المرموز ، ونهضت أقفو أثر العجوز ، حتى انتهيت إلى سوق مغتصّة بالأنام ، مختصّة بالزّحام ، فانغمست في الغمار ، وامّلست من الصّبية الأغمار ، ثم عاجت بخلوّ بال ، إلى مسجد خال ، فأماطت الحلباب ، ونفضت النّقاب ، وأنا ألمحها من خصاص الباب ، وأرقب ما ستبدي من العجاب . * * * قوله : « صدعت » : شقّت : أعشار : قطع : خبايا : ما خبّئ فيها من الدراهم . ماحها : أعطاها . دينه : عادته . الامتياح : طلب المعروف ، يريد مشيخة الشعراء الذين قد مرّ ذكرهم ، وعيش الشعراء إنما هو من الاستجداء والطلب ، ومعلوم أنه من كانت عادته أن يأخذ لا يعطي في الغالب شيئا ، ولذلك قال : من لم نخله يرتاح ، أي من لم نحسب أنه يهتزّ للعطاء ، وقد ارتاح ، إذا اهتزّ للكرم والعطاء ولذلك قال حبيب : [ الكامل ]
لم يخلق الرّحمن أحمق لحية * من سائل يرجو النّدى من سائل
وقال آخر : [ الطويل ]
لموت الفتى خير من الفقر للفتى * وللموت خير من سؤال بخيل لعمرك ما شيء لوجهك قيمة * فلا تلق مخلوقا بوجه ذليل ولا تسألن من كان يسأل مرّة * فللموت خير من سؤال سئول
وحدّث عيسى بن عمر النحويّ ، قال : قدمت من سفر ، فدخل عليّ ذو الرّمة الشاعر ، فعرضت عليه أن أعطيه شيئا ، فقال : أنا وأنت نأخذ ولا نعطي . ومدح أبو الشمقمق مروان بن أبي حفصة فقال له : يا أبا الشمقمق ، أنت شاعر وأنا شاعر ، وغايتنا جميعا السؤال . وكان بشار يعطيه في كل سنة مائتي درهم ، فأتاه مرّة ، فقال : هلمّ الجزية يا أبا معاذ ، فقال : ويحك ! أجزية هي ؟ قال : هو ما تسمع ، فقال له بشار يمازحه : أنت أفصح منّي ؟ قال : لا ، قال : فأعلم ؟ قال : لا ، قال : فأشعر ؟ قال : لا ، قال : فلم أعطيك ؟ قال : لئلا أهجوك ، قال : إن هجوتني هجوتك ، قال أبو الشمقمق : أو كذا هو ؟ اسمع : [ الرجز ]
إني إذا ما شاعر هجانيه * أدخلت في است أمّه علانيه
بشار يا بشار . . . وأراد أن يقول : يا بن الزانية ، فأمسك بشّار بفمه ، وقال : أراد واللّه