تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
فمن دقّ باب * كريم فتح
* * * قوله : « شاد » ، أي مغنّ ، يشيد : يتقن غناءه ويحكمه . تميد : تميل . صدح : رفع صوته بالغناء ، والصداح : الصوت الشديد ، يقول : وأحضر الخمر مغنيا تميل الجبال لحسن غنائه ، وهذا مثل ما حكى المنجّم ، قال : حكي لي أنّ إبراهيم بن المهدي ، كان أحسن الناس غناء ببرهان ، وذلك أنّي كنت أراه في مجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغنّي المغنون ، فإذا ابتدأ هو لم يبق أحد من الغلمان والمتصرفين وأصحاب الصّناعات والمهن الصّغار والكبار ، إلا وقد ترك ما في يده ، وصار بأقرب موضع يمكنه أن يسمعه ، فلا يزال مصغيا إليه ، لاهيا عمّا كان فيه ما دام يغنّي ، فإذا أمسك وغنّى غيره رجعوا إلى أشغالهم ، ولا برهان أقوى من شهادة الفطرة ، واتفاق الطبائع على الميل إليه مع اختلافها في غير ذلك . وقال منصور بن المهدي : غنّى أخي إبراهيم الأمين يوما فقال : [ المتقارب ]
وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها لكي يعلم النّاس أني امرؤ * أتيت الفتوة من بابها
وكان الأمين مشرفا على حمر الوحش ، وهو مخمور ، وكان من عادته ألّا يشرب وهو مخمور ، فاستوى جالسا وطرب ، وقال : أحسنت واللّه يا عمّ ، وأحييت لي طربا ، وغنّى يومئذ على أشدّ طبقة ينتهي إليها ، وما سمعت مثله قطّ وقد رأيت منه شيئا عجيبا ، لو حدّثت به ما صدقته ، كان إذا ابتدأ يغنّي أصغت الوحش ، ومدّت أعناقها ، ولم تزل تدنو منه ، حتى تضع رءوسها على الدّكان الذي كنا عليه ، فإذا سكت نفر عنّا ، حتى تنتهي إلى أبعد غاية يمكنها التباعد فيها عنّا ، وجعل الأمين يعجب من ذلك . قوله : « يبيح » ، أي يجعله له مباحا ، يقول : أعص من يعذلك في وصل المليح متى سمح بوصله . وكان أعرابيّ قد طال تعشقه لجارية ، فقيل له : ما كنت صانعا لو ظفرت به ، ولا يراكما غير اللّه ؟ قال : إذا واللّه لا أجعله أهون الناظرين ، لكني كنت أفعل بها ما كنت أفعله بحضرة أهلها ، شكوى وحديث عذب ، وإعراض عمّا يسخط الرّبّ ، ويقطع الحبّ ، فإن تلقّي وصال المليح ، إذا سمح بمثل هذا فعصيان النصيح واجب ، وأكثر الناس يرى أن الظفر بالمعشوق يسقط نصف عشقه ، وأن النكاح يفسد الحب : وقال المأمون : [ مجزوء الكامل ]
ما الحبّ إلا قبلة * وغمز كفّ وعضد وكتب فيها رقي * أنفذ من نفث العقد