تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
في آخر وتمنع إلا بالثمن ، وقال تعالى :
وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا
[ الإنسان : 17 ] . وأما ما ذكره تعالى من أنّ فيها منافع للناس ، فإنّ منافعها لا تحصى كثرة ، فمن منافعها ما يصيب النّاس من أثمانها ، ولو لم تعصر الأعناب لبارت على أهلها ومنها صلاح الجسم لأنها تروّق الدم وتفتق اللسان ، وتزيد في الهمّة ، وتهوّن الرزيّة ، وتمدّ في الأمنية ، قال جالينوس : الخمر تدرّ الدم وتصفّي اللون ، وتقوّي المنعة ، وتبعث النشاط . وقال أفلاطون : إنما كان النبيذ يثمر السرور ، ويولّد الضحك ، ويطيّب النفس لشبهه بالدم ، وأنّه يفعل في الجسد إذا اعتدل فعله ، لأنه أحمر حارّ رطب والدم أحمر حارّ رطب ، فإذا صحّ جوهره ، وتمّت أجزاؤه ولّد في النفس السرور والضحك والنشاط . الحارث بن كلدة . طبيب العرب : الطّلاء « 1 » مصلحة للبدن ومطيبة للنفس ، تفتح له العروق أفواهها ، كما تفتح الفراخ أفواهها للطعام . بعث قيصر إلى قسّ بن ساعدة ، فسأله : أيّ الأشربة أفضل ؟ فقال : ما صفا في العين ، ولذّ على الذوق ، وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم ، قال : ما تقول في مطبوخه ؟ قال : مرعى ولا كالسّعدان ، قال : فما تقول في نبيذ الزبيب ؟ قال : ميّت أحيا ، وفيه بعض المنفعة ، وما يكاد يحيا من مات مرّة ، قال : ما تقول في نبيذ العسل ؟ قال : نعم شراب الشيخ للأبردة « 2 » والمعدة الفاسدة . قال : فنبيذ التمر ؟ قال : أوساخ تدعو إليها ضرورات تذمّ عاقبتها في الأبدان ، قال : فما الّذي يذهب بالهموم عند الشراب ؟ قال : جوهر فيه لا تبلغه عقول العباد ، قال : فما أصلح أوقات الشراب ؟ قال : أوّل النهار ، ألا ترى أنّ الدواء يبكّر به ، والمسافر يدلج لحاجته ! لأنّ العقول أول النهار أذكى والفطن أصحّ ، قال : فمن أيّ شيء يكون الخمار ؟ قال : من ضعف قوة الجوارح عن جذب ما يصعد إلى الدماغ من البخار حتى يفشيه الهواء قليلا قليلا ، قال : فالصّرف أفضل أم الممزوج ؟ قال : الصّرف سلطان جائر ، والممزوج سلطان عادل ، والعادل مصلح ، والجائر مفسد ، قال : أفتشربه أنت ؟ قال : نعم ، ولا أبلغ ما يغيّر عقلي ، قال : ولم ؟ قال : أصونه لسؤال مثلك . أمر الوليد بن يزيد بحمل ابن شرّاعة من الكوفة ، فلما قدم عليه ، قال : يا بن شراعة ، واللّه ما أرسلت إليك ، أسألك عن كتاب اللّه ولا عن سنة نبيه ، قال : يا أمير المؤمنين لو سألتني عنهما لوجدتني حمارا ، قال : أرسلت إليك أسألك عن القهوة ، قال : دهقانها الحكيم وطبيبها الرفيق العليم ، فاسأل عمّا بدا لك ، قال : فأخبرني عن الماء ،
هامش
( 1 ) الطلاء : من أسماء الخمر . ( 2 ) الإبردة ، بكسر الهمزة والراء : علة من غلبة البرد والرطوبة .