تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
وخضت السّيول ورضت الخيول * لجرّ ذيول الصّبا والمرح ومطت الوقار وبعت العقار * لحسو العقار ورشف القدح ولولا الطّماح إلى شرب راح * لما كان باج فمي بالملح
* * * قوله : « السفار » : مصدر سافرت . جبت : قطعت . عفت : كرهت خضت : جزت ومشيت فيها . رضت : ذلّلت وركبت . المرح : النشاط والعجب . مطت : نحّيت وأزلت ، ويقال : ماط وأماط : باعد ، وأيضا باعد غيره ، والأصمعيّ يقول : ماط هو ، وأماط غيره . العقار : المال الثابت الذي لا ينقل . حسو : شرب . العقار : الخمر . رشف : مصّ الطّماح : ارتفاع النظر . باح : تكلّم والملح : الكلام الحلو ، يريد أنه فعل ما ذكر ليرتاح ويشرب الخمر . * * *

[ مما قيل في الخمر والشراب ]

ذكر أبو محمد الحريري في هذا الموضع من المقامات أوصاف الخمر وفضلها ومنافعها ، وذهابها بالهموم والأسقام ، وذكر أنها من أفضل الأشياء وأن بيع أشرف الأعلاق فيها سداد ، وأن ترك الإصغاء فيها إلى العذل رشاد ؛ وأن كمال لذّتها مع السقاة الحسان ، والتطريب بأنواع الغناء والألحان ، إلى غير ذلك مما أشار إليه ، ونبّه عليه ، وأنا أسوق هنا في وصف الخمر فصلا من كلام الحكماء والأدباء وسائر الأفاضل من الملوك ومهرة الشعراء ، جريا معه في أغراضه ، حسبما فعلناه في العاشرة في أوصاف الغلمان ، وفي الحادية عشرة في فضائل أهل الأديان وأكثر اعتمادي في هذا الفصل على اختيارات انتقيتها من كتاب قطب السرور ، وضممت إليها ما يلائمها من غيره ، وهو فصل بديع في بابه . ذكر مؤلفه في منافع الخمر وفضائلها قول اللّه تعالى :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
[ النحل : 67 ] وقال تعالى في الجنة :
فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[ محمد : 15 ، 16 ] فلم يذكر الماء واللبن إلا بالسّلامة من التغيّر ، والعسل إلا بأنه مصفّى ، وجعل الخمر لذّة للشّاربين ، فكان هذا من التفضيل . وقال تعالى :
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[ الواقعة : 18 ، 19 ] ، فنفى عنها عيوب خمر الدنيا ، وهي ذهاب العقل بالسكر والصداع بالخمار وذهاب المال ، كما قال تعالى في فاكهتها :
لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ
[ الواقعة : 32 ، 33 ] ، فنفى عنها عيوب فاكهة الدنيا التي تأتي في وقت وتنقطع