تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
الغضب ، وربما بكى وعوى عواء الذئاب ، ونبح نباح الكلاب ، فشرب الماء يحرم مع مثل هذا ، فكيف الشراب ! . ومن فضائله أنه يلائم الطبائع المعتادة في كلّ زمان من فصول السنة ، يشربه المحرور ممزوجا فيبرده ، والمقرور صرفا فيسخّنه ، واليابس معتدلا فيرطّبه ، والمرطوب صرفا فيجفّفه ، فمن شربه في الصيف فيستحبّ له أن يشربه على خضرة الجنان وتحت الظلال ، وعلى المياه وعلى الورد والياسمين والبنفسج والآس والسفرجل والتفاح . وإن كان في الشتاء ، فبخلاف ذلك ، من الجلوس في الأكنان واستعمال الكوانين ، ولبس الأحمر والممشّق « 1 » وشمّ فتيت المسك والعنبر والمرزنجوش « 2 » . وأمّا الربيع والخريف فبين ذلك ، لأخذهما من رطوبة الشتاء وحرارة الصيف وإذا اجتمع مع الشراب نغم وألحان على صنوف الملاهي والعيدان ، تعاونا على إذهاب الغموم والأحزان ، فللّه درّ من استنبطه ، ما ذا أثار وعلى أيّ شيء دلّ ! . ولم لم يكن الشراب أغلب شيء على العقول ، وأقربه للقلوب ، وألطف محلا في النفوس ، وأشدّ ملاءمة للأجسام ، وأجمعه لمحمود الخلال حتى لا تقاربه لذة ، ولا تساويه شهوة ، ولا تعدله خصلة من خصال المسرّات - لما حملت الأشراف وذوي العقول أنفسهم على معاقرته ، لا يردّهم ما ينالهم فيه عن معاودته ، من شنيع الأقوال ولوم العذّال ، فيما أنفقوا عليه من الذخائر ، وبذلوا من الأموال . كان بالبصرة رجل ذو ضياع فأنفق ماله في الشراب ، فباع ضيعته ، فلمّا تمّ البيع قال له المشتري : تأتيني بالعشيّ ، أدفع لك المال ، وأشاهدك ، فقال : لو كنت ممّن يرى بالعشي ما بعت الضيعة . قال محمود بن الحسن الكاتب : بعت داري فأصابني مثل هذا ، فقلت : [ مجزوء الكامل ]
أتلفت مالي في العقار * وخرجت فيها عن وقاري حتّى إذا كتب الكتا * ب وجاءني رسل التّجار قالوا : الشّهادة بالعشيّ ونح * ن في صدر النّهار فأجبتهم ردّوا الكتا * ب ولا تعنّوا بانتظاري لو كنت أظهر بالعشيّ لم * ا سمحت ببيع داري
وقال ابن الرومي : [ الخفيف ]
أنا أهوى ذات الخمار على الجي * ب وذات الوشاح والدّملجين
هامش
( 1 ) الممشّق : أي المصبوغ . ( 2 ) المرزنجوش ، وقيل : المردقوش ، معرب مردكوش : هو الزعفران .