تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
شاكلها من لطيفه ، وأخذ كلّ عضو قوّته من كثيفة ، ثم لا يزال الهواء يخرج بالأنفاس متصعّدا ببخاره ، ويجذب ما تحت الدماغ من أستاره ، فحينئذ تهبّ بجذل ونشاط ، كأنما أنشطت من رباط ، وذلك تقدير العزيز العليم . وقالوا : الشراب مصباح الظّلام ، وشفاء الأسقام ، وإذا تمشّى في عظامك جعلك خالي الذّرع ؛ فسيح الباع ، رخىّ البال ، قليل الاشتغال ، رحب الهمّة ، واسع النعمة ، فهو أخو الصبوة ، وقسيم الشهوة ، ولو لم يكن من مننه عليك إلّا أنه إذا مزجته بروحك ، وخلطته بدمك ، بغّض إليك الحرص ونصبه ، والشّره وتعبه ، وحبّب إليك المروءة والسماح ، وحسّن لك الفكاهة والمزاح . وقالوا : الشراب يلذّ لك في السفر كلذته في الحضر ، ويطيب استعماله في الصحو ، كما يطيب في المطر ؛ فهو أصل اللّذات الذي عليه تتفرّع ، وعنصرها الذي عنه تنبع ، وبه تتصل ، وإليه ترجع ، يردّ الشيوخ في طمع الشبّان ، ويدعو الشبّان إلى نشاط النشوان ، وقال أبو نواس في ذلك : [ السريع ]
ما العيش إلا في جنون الصّبا * فإن تولّى فجنون المدام راح إذا ما الشيخ والى بها * خمسا تردّى برداء الغلام
فلله درّ من استنبطه ودلّ عليه ، وسقيا لمن بحث عنه واهتدى إليه ، ما ذا أثار وأيّ شيء أظهر ! . قالوا : ومدار قوامه على اثني عشر شيئا : المواد الثلاث ، والقوى الأربع ، والحواس الخمس . فالثلاث : هي نسيم الهواء ، وعذوبة الماء ، ومألوف الأهواء والأربع هي القوة الجاذبة التي تطيّب الطعام وتبرّده ، والماسكة التي تمسكه وتجذبه ، والهاضمة التي تهديه وتنضجه ، والدافعة التي تدفع إلى كلّ عضو سهمه من جوهره ، فتخرج عنه ثقله ، والحواس الخمس : البصر والسمع والشم والذوق واللّمس . وكلّ شيء من ذلك تدخله الزيادة والنقص فلا يستغني عمّا يقويه في حال ضعفه ، ويصفّيه من أوساخه ، فلم يجد أهل التجارب الماضون لذلك سببا أبين أثرا ، ولا أخفّ محملا ، ولا ألطف دبيبا في الأبدان من ماء الكرم ، فاستعملوه لذلك استعمالا دائما ، فهو ريحانة النفس وترياقها ، فيشرب في كل حين ، وينفع كل حاسة ، وتحيد عنه النوازل والأحزان ، وحقّ للنّفس أن تألفه ، وللطبيعة أن تلائمه ؛ إذ كان حبيبها وشقيق روحها ، فتراه يحدث في النفس الشجاعة والتكرّم والأناة والتحلّم . ومن علامات الكريم إذا أخذ فيه الشراب الاستحياء والتودّد واللهو والسرور والبذل لما في يديه ، وكسوة جليسه من أنفس ثيابه ، وإذا بلغ المدى في شربها توسّد يساره ، ونام حميدا كريما . ومن علامات اللئيم المماراة والسّفه ، وفتل الشارب والتلفّت إلى العربدة وشدة
شرح مقامات الحريري — صفحة 356 | إبراهيم شمس الدين / أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي