تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
متعرّضا للاستماحة ، في معرض الوقاحة ، فاختلب به أولئك الملأ ، حتى أترع كمّه وملأ ؛ ثمّ انحدر من الرّبوة ، جذلا بالحبوة . قال الراوي : فجاذبته من ورائه ، حاشية ردائه ، فالتفت إليّ مستسلما ، وواجهني مسلّما ، فإذا هو شيخنا أبو زيد بعينه ومينه ، فقلت له : [ الهزج ]
إلى كم يا أبا زيد * أفانينك في الكيد لينحاش لك الصّيد * ولا تعبا بمن ذم
* * * قوله : « حسر » ، أي كشف . ردنه : كمّه . الأسر : الخلقة ، ومنه قوله تعالى :
وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ
[ الإنسان : 28 ] ، أي خلقهم ، وهو من الإسار ، وهو القدّ الذي يشدّ به الأسير ، فشرك الجلد هي الإسار - ويراد بها في الخلقة العصب - التي يشتدّ بها الجسد وتلتئم بها الأعضاء ، وإليها حكم حركة البدن من القيام والقعود ، فسبحان الذي أنشأ الخليقة كيف شاء ! الاستماحة : الطلب ، استفعالة ، من ماح الرجل يميحه إذا أعطاه ، وأصل ذلك من المائح ، وهو النازل في قعر البئر ليغرف ماءها ويفرّقه على دلاء المستقين ، وقد ماح البئر ميحا . الوقاحة : ترك الحياء وصلابة الوجه ، من الحافر الوقاح وهو الصّلب . ومعرضها : موضع عرضها ونشرها ، وإن كسرت الميم وفتحت الراء فهو ثوب الوقاحة ، لبسه لأنّ المعرض الثوب الذي تعرض فيه الجارية للبيع ، والوقاحة : إظهار ذراعه صحيحا مشدودا عليه بخرق ، ليوهم من رآه أنه مكسور . اختلب : خدع ، واحتلب بالحاء : حلب ما عندهم كما تحلب الشاة . الملأ : الجماعة . أترع : ملأ . انحدر : هبط ، والرّبوة ، لغة في الرّباوة التي تقدّمت . جذلا : مسرورا . الحبوة : العطيّة . جاذبته : نازعته . مينه : كذبه . أفانينك : أنواع كذبك وحيلك . ينحاش : ينضمّ ويجتمع ، وحشت الصيد أحوشه ، إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة . لا تعبأ ، أي لا تبالي ، من عبّأت الحلم للجهل ، والخيل للحرب إذا أعددته ، وإذا لم يبال بالشيء لم يستعدّ له . * * * فأجاب من غير استحياء ، ولا ارتياء ، وقال : [ الهزج ]
تبصّر ودع اللّوم * وقل لي هل ترى اليوم فتى لا يقمر القوم * متى ما دسته تمّ !
فقلت له : بعدا لك يا شيخ النّار ، وزامله العار ، فما مثلك في طلاوة علانيتك ، وخبث نيّتك ، إلّا مثل روث مفضّض ، أو كنيف مبيّض .