تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢

المقامة الثانية عشرة وهي الدّمشقيّة

حكى الحارث بن همّام قال : شخصت من العراق إلى الغوطة ، وأنا ذو جرد مربوطة ، وجدة مغبوطة ، يلهيني خلوّ الذّرع ، ويزدهيني حفول الضّرع . فلمّا بلغتها بعد شقّ النّفس ، وإنضاء العنس ، ألفيتها كما تصف الألسن ، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين ، فشكرت يد النّوى ، وجريت طلقا مع الهوى ، وطفقت أفضّ فيها ختوم الشّهوات ، وأجتني قطوف اللّذّات ، إلى أن شرع سفر في الإعراق ، وقد أشفقت من الإغراق ، فعادني عيد من تذكار الوطن ، والحنين إلى العطن ، فقوّضت خيام الغيبة ، وأسرجت جواد الأوبة . * * *

[ غوطة دمشق ]

شخصت ، أي خرجت . الغوطة : موضع بالشأم خصيب بخارج دمشق ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ستفتح عليكم الشأم فعليكم بمدينة يقال لها دمشق ، هي خير مدائن الشأم وفسطاط المؤمنين بأرض منها يقال لها الغوطة » « 1 » . قال الأصمعيّ : أحسن أنهار الدنيا ثلاثة أنهار : الغوطة ، وسمرقند ، ونهر الأبلّة ، وهو قريب من البصرة ، وحشوشها ثلاثة : عمان ، وأردبيل ، وهيت . وسمّيت دمشق باسم صاحبها الذي بناها ، وهي إرم ذات العماد . وقال اليعقوبيّ : مدينة دمشق جليلة المقدار قديمة ، وهي مدينة الشأم في الجاهلية والإسلام ، وليس لها نظير في جميع بلاد الشأم في أنهارها وبساتينها ، ومبانيها وكثرة عمارتها . وافتتحت في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سنة أربع عشرة . وقال شيخنا ابن جبير : مدينة دمشق هي جنّة المشرق ، ومطلع حسنه المونق ، وعروس المدن . قد تحلّت بأزاهير الرياحين ، وتجلّت في حلل سندسيّة من البساتين ، وحلّت من موضع الحسن بمكان مكين ، وتجلّت في منصتها بأجمل تزيين ، وتشرفت بأن
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 8 .