وكان يناظر محمد بن داود ، فقال له ابن داود يوما وقد أكثر عليه السؤال : أبلعني ريقي ، فقال له : قد أبلعتك الدّجلة والفرات .
وقال له مرة : أمهلني ساعة ، فقال : قد أمهلتك من الساعة إلى أن تقوم الساعة .
وقال له ابن داود يوما : أكلّمك من الرّجل وتجيبني من الرأس ! فقال له : كذلك البقر إذا حفيت أظلافها ، وهنت قرونها .
واجتمع أبو العباس بن سريج وأبو بكر بن داود الأصبهانيّ في مجلس عيسى بن الجراح الوزير ، فتناظرا في الإبلاء ، فقال ابن سريج : أنت بقولك : من كثرت لحظاته ، دامت حسراته ، أبصر منك في الكلام في الإيلاء ، فقال له ابن داود : لئن قلت ذلك ، فإني أقول : [ الطويل ]
أنزّه في روض المحاسن مقلتي * وأمنع نفسي أن تنال محرّما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنّه * يصبّ على الصّخر الأصمّ تهدّما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري * فلولا اختلاسي ردّه لتكلّما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهم * فلست أرى حبّا صحيحا مسلما
وقال له ابن سريج : بم تفتخر ؟ ولو شئت قلت : [ الكامل ]
ومساهر بالغنج من لحظاته * قد بتّ أمنعه لذيذ سناته
أصبو لحسن كلامه وحديثه * وأكرّر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده * ولّي بخاتم ربّه وبراته
فقال له أبو بكر : أصلح اللّه الوزير ! يحفظ عليه ما قال ، حتى يقيم عليه شاهدين عدلين ، أنه ولّى بخاتم ربه وبراءته ، فقال له ابن سريج : فيلزمني في هذا ما يلزمك في قولك : [ الطويل ]
* وأمنع نفسي أن تنال محرّما *
فضحك الوزير ، وقال : لقد جمعتما ظرفا ولطفا وعلما وفهما .
اشتملت هذه الحكاية على أنّ هذين الرجلين العالمين على اشتهارهما بالعلم والفضل والدّين كانا يرتاحان إلى التعشّق على سبيل التظرّف والتزام التعفّف على ما يليق ويشكل بمنصبهما ؛ وإذا كان التّعشّق بشرط العفاف ، فإنّما يزيد الرّجل الفاضل رقّة طبع ، وحلاوة شمائل .
وقال ابن سريج في مرضه الذي مات فيه : أريت في المنام البارحة كأنّ قائلا يقول :
هذا ربّك يخاطبك ، فسمعته يقول : ما ذا أجبتم المرسلين ؟ فقلت : بالإيمان والتّصديق ، قال : فقيل : ما ذا أجبتم المرسلين ؟ فوقع في نفسي أنه يراد مني زيادة في الجواب ،