تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
المقامات بفتح الدال وكسر النون ، ودنينته بنونين لتوافق « سكينته » ، والصحيح حذف نونها الثانية وكسر الأولى ، وهي قلنسوة محدّدة الطرف يلبسها القضاة والأكابر ، وليست من كلام العرب ، إنما هي من الألفاظ المستعملة في العراق ، وقد استعملها شعراؤهم ، قال ابن لنكك : [ البسيط ]
نفسي تقيك أبا الهندام يا أملي * إنّي بكلّ الذي ترضاه لي راضي ما كان أيرى فقيها إذ ظفرت به * فكيف ألبسته دينيّة القاضي
وقال الصابي : [ مجزوء الرجز ]
وفوقه دينيّة * تذهب طورا وتجي
ذوت : زالت وخفيت . سكينته : وقاره ، وأصل ذوى ، في الشيء الذي فيه بلل وندوّة ، فيجفّ بلله ، فاستعاره للسكينة . فاء : رجع . وعقّب : أتبع . الاستغراب : كثرة الضحك ، حتى تدمع العينان ؛ أراد أنه أتبع ضحكه الاستغفار ليكون كفّارة له ، وهذا الذي حكي عن القاضي يحكى مثاله عن الحجاج ، يقال : إنه كان إذا استغرب ضحكا يوالي من الاستغفار . وقال عبد اللّه بن مسعود : في كتاب اللّه آيتان ما أصاب عبد ذنبا فقرأهما ثم استغفر اللّه إلا غفر له الأولى : قوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً . . .
[ آل عمران : 135 ] ، والثانية قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ . . .
[ النساء : 110 ] الآية . قال أبو سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه : من قال : « أستغفر اللّه الّذي لا إله إلّا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه » خمس مرّات ، غفر له ولو فرّ من الزحف . شدّاد بن أوس رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « سيّد الاستغفار أن تقول : اللهمّ أنت ربي لا إله إلا أنت وأنا عبدك أصبحت على عهدك ووعدك ما استطعت . أعوذ بك من شرّ ما صنعت ، أبوء بنعمتك عليّ ، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت » « 1 » . وأصل غفر واستغفر غطّى . قال قطرب : اللهمّ اغفر لنا ذنوبنا ، أي غطّها ، من قول العرب : غفرت المتاع في الوعاء أغفره غفرا ، أي غطّيته . ثعلب : غفر الرجل في مرضه يغفر غفرا ، أي نكس ، فكأنّ المرض غطّى عليه . وقال الأصمعي رحمه اللّه : اللّهم اغفر لنا ذنوبنا ، أي استرها علينا ، ومنه : اصبغ ثوبك ، فإنه أغفر للوسخ ، أي أستر ، وهذه معان متقاربة .
هامش
( 1 ) روي بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الدعوات باب 1 ، والترمذي في الدعوات باب 15 ، والنسائي في الاستعاذة باب 57 ، 63 ، وأحمد في المسند 4 / 122 ، 125 ، ورواه الطبراني في الجامع الصغير 1 / 57 .